دينه فله مدخل في الزّهد بقدر ما تركه وآخره أن يترك كلّ ما سوى اللَّه حتّى لا يتوسّد حجرا كما فعله عيسى عليه السّلام ، فنسأل اللَّه تعالى أن يرزقنا من مباديه نصيبا وإن قلّ فإنّ أمثالنا لا يستجري على الطمع في غاياته وإن كان قطع الرّجاء عن فضل اللَّه غير مأذون فيه ، وإذا لاحظنا عجائب نعم اللَّه علينا علمنا أنّ اللَّه لا يتعاظمه أمر فلا يبعد أن نعظم السؤال اعتمادا على الجود المجاوز لكلّ كمال فإذن علامة الزّهد استواء الغنى والفقر والعزّ والذّلّ والمدح والذّمّ لأجل غلبة الأنس باللَّه ، ويتفرّع عن هذه العلامات علامات أخر لا محالة ، مثل أن يترك الدّنيا ولا يبالي من أخذها ، وقيل : علامته أن يترك الدّنيا كما هي فلا يقول أبني رباطا أو أعمر مسجدا ، وقال يحيى ابن معاذ : علامة الزّهد السخاء بالموجود ، وقال ابن خفيف : علامته وجود الرّاحة في الخروج من الملك ، وقال أيضا : الزّهد هو عزوف النفس عن الدّنيا بلا تكلَّف .
فهذا ما أردنا أن نذكره من حقيقة الزّهد وأحكامه ، وإذا كان الزّهد لا يتمّ إلا بالتوكَّل فلنشرع في بيانه .
أقول : ولنأت الآن بما وعدناه من ذكر كلام الصادق عليه السّلام
* ( كلام الصادق عليه السّلام في الزّهد ) *
روى في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال : « دخل سفيان الثوريّ على أبي عبد اللَّه عليه السّلام فرأى عليه ثياب بيض كأنّها غرقىء البيض [ 1 ] فقال له : إنّ هذا اللَّباس ليس من لباسك ، فقال له : اسمع منّي وع ما أقول لك فإنّه خير لك عاجلا وآجلا إن أنت متّ على السنّة والحقّ [ 2 ] ولم تمت على بدعة ، أخبرك أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان في زمان مقفر جدب [ 3 ] فأمّا إذا أقبلت الدّنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها ، ومؤمنوها لا منافقوها ، ومسلموها لا
هامش
[ 1 ] الغرقىء - كزبرج - : القشرة الملتزمة ببياض البيض أو البياض الذي يؤكل ، قال الفراء : وهمزته زائدة . ( الصحاح ) .
[ 2 ] أي انتفاعك بما أقول آجلا انما يكون إذا تركت البدع .
[ 3 ] القفر : خلو الأرض من الماء والجدب : انقطاع المطر ويبس الأرض .