تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩

* ( بيان علامات الزهد ) * اعلم أنّه قد يظنّ أنّ تارك المال زاهد وليس كذلك فإنّ ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحبّ المدح بالزّهد فكم من الرّاهبين ردّوا أنفسهم كلّ يوم على قدر يسير من الطعام ولازموا ديرا لا باب له وإنّما مسرّتهم معرفة الناس حالهم ونظرهم إليه ومدحهم له فذلك لا يدلّ على الزّهد دلالة قاطعة بل لا بدّ من الزّهد في المال والجاه جميعا حتّى يكمل الزّهد في جميع حظوظ النفس من الدّنيا . أقول : وهذا كحال بعض المنافقين من الصحابة والتابعين ومن تأخّر عنهم كالحسن البصريّ والسفيان الثوريّ وأبي حنيفة وكثير ممّن يسمّيهم أبو حامد بالسلف ويستند إلى أقوالهم وأفعالهم انخداعا له من تقشّفهم وتعرّفهم أنفسهم إلى الناس ليحمدوا حبّا للرّئاسة والجاه . قال أبو حامد : فإذن معرفة الزّهد أمر مشكل بل حال الزّهد على الزّاهد مشكل وينبغي أن يعوّل في باطنه على ثلاث علامات : العلامة الأولى أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود كما قال اللَّه تعالى : « لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم » ( 1 ) والثانية أن يستوي عنده ذامّه ومادحه فالأولى علامة الزّهد في المال ، والثانية علامة الزّهد في الجاه ، والعلامة الثالثة أن يكون أنسه باللَّه تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبّة إمّا محبّة الدّنيا وإمّا محبّة اللَّه ، وهما في القلب كالماء والهواء في القدح فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان ، وكلّ من أنس باللَّه اشتغل به ولم يشتغل بغيره ولذلك قيل لبعضهم : إلى ما ذا أفضى بهم الزّهد ؟ فقال : إلى الأنس باللَّه ، فأمّا الأنس بالدنيا وباللَّه جميعا فلا يجتمعان وقد قال أهل المعرفة : إذا تعلَّق الإيمان بظاهر القلب أحبّ الدّنيا والآخرة جميعا وعمل لهما وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدّنيا فلم ينظر إليها ولم يعمل لها ولهذا ورد في دعاء آدم عليه السّلام « اللَّهمّ إنّي أسألك إيمانا يباشر قلبي » فكلّ من ترك من الدّنيا شيئا مع القدرة عليه خوفا على قلبه وعلى

هامش
( 1 ) الحديد : 23 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 369 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري