لأنّ الكبير والصغير من المضافات وما من ذنب إلا وهو كبير بالإضافة إلى ما دونه ، وصغير بالإضافة إلى ما فوقه ، فالمضاجعة مع الأجنبيّة كبيرة بالإضافة إلى النظرة ، صغيرة بالإضافة إلى الزّنى . وقطع يد المسلم كبيرة بالإضافة إلى ضربه ، صغيرة بالإضافة إلى قتله ، نعم للإنسان أن يطلق على ما توعّد بالنار على فعله خاصّة اسم الكبيرة ونعني بوصفه بالكبيرة أنّ العقوبة بالنار عظيمة ، وله أن يطلق على ما أوجب الحدّ عليه مصيرا إلى أنّ ما عجّل عليه في الدّنيا عقوبة واجبة عظيم ، وله أن يطلق على ما ورد في نصّ الكتاب النهي عنه فيقول :
تخصيصه بالذكر في القرآن يدلّ على عظمه ، ثمّ يكون عظيما وكبيرة لا محالة بالإضافة إذ منصوصات القرآن أيضا تتفاوت درجاتها ، فهذه الإطلاقات لا حرج فيها وما نقل من ألفاظ الصحابة يتردّد بين هذه الجهات ولا يبعد تنزيلها على شيء من هذه الاحتمالات ، نعم من المهمّات أن تعلم معنى قول اللَّه تعالى : « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم » وقول رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « الصلوات الخمس كفّارات لما بينهنّ إلا الكبائر » فإنّ هذا إثبات حكم الكبائر ، والحقّ في ذلك أنّ الذّنوب منقسمة في نظر الشرع إلى ما يعلم استعظامه إيّاها وإلى ما يعلم أنّها معدودة في الصغائر وإلى ما يشكّ فيه فلا يدرى حكمه فالطمع في معرفة حدّ حاصر أو عدد جامع مانع طلب لما لا يمكن ، فإنّ ذلك لا يمكن إلا بالسماع من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بأن يقول : إنّي أردت بالكبائر عشرا أو خمسا ويفصّلها فإن لم يرد هذا بل ورد في بعض الألفاظ « ثلاث من الكبائر » وفي بعضها « سبع من الكبائر » ثمّ ورد « إنّ السبّتين بالسبّة الواحدة من الكبائر » وهو خارج عن السبع والثلاث علم أنّه لم يقصد به العدد والحصر فكيف يطمع في عدد ما لم يعدّده الشرع ، وربّما قصد الشرع إبهامه ليكون العباد منه على وجل كما أبهم ليلة القدر ليعظم جدّ الناس في طلبها ، نعم لنا سبيل كلَّي يمكننا أن نعرف به أجناس الكبائر وأنواعها بالتحقيق وأمّا أعيانها فنعرفها بالظنّ والتقريب ونعرف أيضا أكبر الكبائر فأمّا أصغر الصغائر فلا سبيل إلى معرفته ، وبيانه أنّا نعلم بشواهد الشرع وأنوار البصائر جميعا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 35
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٥