أنّ مقصود الشرائع كلَّها سياقة الخلق إلى جوار اللَّه وسعادة لقائه ، وأنّه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة اللَّه تعالى ومعرفة صفاته ورسله وكتبه وإليه الإشارة بقوله تعالى : « وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون » ( 1 ) أي ليكونوا عبيدا لي ولا يكون العبد عبدا ما لم يعرف ربّه بالرّبوبيّة ، ونفسه بالعبودية ، فلا بدّ وأن يعرف نفسه وربّه فهذا هو المقصود الأصلي ببعثة الأنبياء ولكن لا يتمّ هذا إلا في الحياة الدّنيا وهو المعني بقوله عليه السّلام : « الدّنيا مزرعة الآخرة » [ 1 ] فصار حفظ الدّنيا أيضا مقصودا تابعا للدّين لأنّه وسيلة إليه ، والمتعلَّق من الدّنيا بالآخرة شيئان : النفوس والأموال فكلّ ما يسدّ باب معرفة اللَّه فهو أكبر الكبائر ، ويليه ما يسدّ باب حياة النفوس ، ويلي ذلك ما يسدّ باب المعايش الَّتي بها حياة النفوس ، فهذه ثلاث مراتب فحفظ المعرفة على القلوب والحياة على الأبدان والأموال على الأشخاص ضروريّ في مقصود الشرائع كلَّها ، وهذه ثلاثة أمور لا يتصوّر أن يختلف فيها الملل ، فلا يجوز أن يبعث اللَّه تعالى نبيّا يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم ثمّ يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله أو يأمرهم باهلاك النفوس وإهلاك الأموال فحصل من هذا : أنّ الكبائر على ثلاث مراتب الأولى ما يمنع من معرفة اللَّه ومعرفة رسله وهو الكفر فلا كبيرة فوق الكفر إذ الحجاب بين اللَّه وبين العبد هو الجهل والوسيلة المقرّبة له إليه هو العلم والمعرفة وقربه بقدر معرفته وبعده بقدر جهله ويتلو الجهل الَّذي يسمّى كفرا الأمن من مكر اللَّه والقنوط من رحمته فإنّ هذا أيضا عين الجهل ، فمن عرف اللَّه لم يتصوّر أن يكون آمنا ولا أن يكون آيسا ويتلو هذه الرّتبة البدع كلَّها المتعلَّقة بذات اللَّه سبحانه وبصفاته وبأفعاله وشرايعه وبأوامره ونواهيه ، ومراتب ذلك لا تنحصر وهي تنقسم إلي ما يعلم أنّها داخلة تحت ذكر الكبائر المذكورة في القرآن وإلى ما يعلم أنّه لا يدخل وإلى ما يشكّ فيه ، وطلب دفع الشكّ في القسم المتوسّط
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 36
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٦
هامش
( 1 ) الذاريات : 56 .
[ 1 ] قال العراقي : لم أجده بهذا اللفظ وأقول : أخرجه الديلمي في مسند الفردوس بهذا اللفظ كما في كنوز الحقايق للشيخ عبد الرؤف المناوي باب الدال .