تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥

* ( الشطر الثّاني من الكتاب في الزّهد ) * وفيه بيان حقيقة الزّهد ، وبيان فضيلة الزّهد ، وبيان درجات الزّهد وأقسامه ، وبيان تفصيل الزّهد في المطعم والملبس والمسكن والأثاث وضرورات المعيشة ، وبيان علامات الزّهد . * ( بيان حقيقة الزّهد ) * اعلم أنّ الزّهد في الدّنيا مقام شريف من مقامات السالكين وينتظم هذا المقام من علم وحال وعمل كسائر المقامات لأنّ أبواب الإيمان كلَّها كما قال السلف ترجع إلى عقد وقول وعمل وكأنّ القول لظهوره أقيم مقام الحال إذ به يظهر حال الباطن وإلا فليس القول مرادا لعينه وإن لم يكن صادرا عن حال سمّي إسلاما ولم يسمّ إيمانا والعلم هو السبب في الحال يجري مجرى المثمر والعمل يجري من الحال مجرى الثمرة فلنذكر الحال مع كلا طرفيه من العلم والعمل أمّا الحال فنعني بها ما يسمّى زهدا وهو عبارة عن انصراف الرّغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه وكلّ من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنّما عدل عنه لرغبته عنه وإنّما عدل إلى غيره لرغبته فيه فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمّى زهدا وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمّى رغبة وحبّا فإذن يستدعى حال الزّهد مرغوبا عنه ومرغوبا إليه وهو خير من المرغوب عنه وشرط المرغوب عنه أن يكون أيضا هو مرغوب فيه من وجه من الوجوه فمن رغب عمّا ليس مطلوبا في نفسه لا يسمّى زاهدا فتارك التراب والحجر والحشرات لا يسمّى زاهدا وإنّما يسمّى تارك الدّراهم والدّنانير زاهدا لأنّ التراب والحجر ليسا في مظنّة الرّغبة وشرط المرغوب إليه أن يكون خيرا عنده من المرغوب عنه حتّى تغلب هذه الرّغبة فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشتري عنده خير من المبيع فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهدا فيه وبالإضافة إلى العوض رغبة وحبّا ولذلك قال تعالى : « وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين » ( 1 ) معناه باعوه وقد يطلق الشرى بمعنى البيع ووصف إخوة يوسف بالزّهد فيه إذا طمعوا في أن يخلو لهم

هامش
( 1 ) يوسف : 21 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 345 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري