فلمّا خرج عليهم سكتوا حياء منه فقال : تكلَّموا فيما كنتم تقولون فسكتوا فقال : كنّا نعدّ هذا نفاقا على عهد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . وهذا حذيفة كان قد خصّ بعلم المنافقين وأسباب النفاق ( 1 ) وكان يقول : إنّه يأتي على القلب ساعة يمتلي بالإيمان حتّى لا يكون للنفاق فيه مغرز إبرة ويأتي عليه ساعة يمتلي بالنفاق حتّى لا يكون للإيمان فيه مغرز إبرة . فقد عرفت بهذا أنّ خوف العارفين من سوء الخاتمة وأنّ سببه أمور مقدّمة منها البدع ومنها المعاصي ومنها النفاق ومتى يخلو العبد عن شيء من جملة ذلك وإن ظنّ أنّه قد خلا عنه فهو النفاق إذ قيل : من آمن النفاق فهو منافق . وقال بعضهم لبعض العارفين : إنّي أخاف على نفسي النفاق فقال : لو كنت منافقا لما خفت النفاق ، فلا يزال العارف بين الالتفات إلى السابقة والخاتمة خائفا منهما ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « العبد المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما اللَّه صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما اللَّه قاض فيه فوالَّذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدّنيا من دار إلا الجنّة أو النّار » ( 2 ) . * ( بيان معنى سوء الخاتمة ) * فإن قلت : إنّ أكثر هؤلاء يرجع خوفهم إلى سوء الخاتمة فما معنى سوء الخاتمة ؟ فاعلم أنّ سوء الخاتمة على رتبتين إحداهما أعظم من الأخرى فأمّا الرّتبة العظيمة الهائلة أن يغلب على القلب عند سكرات الموت وظهور أهواله إمّا الشكّ وإمّا الجحود فتقبض الرّوح على حالة غلبة الجحود أو الشكّ فيكون ما غلب على القلب من عقدة الجحود حجابا بينه وبين اللَّه أبدا وذلك يقتضي البعد الدّائم والعذاب المخلَّد ، والثانية وهي دونها أن يغلب على قلبه عند الموت حبّ أمر من أمور الدّنيا وشهوة من شهواتها فيتمثّل ذلك في قلبه ويستغرقه حتّى لا يبقى في تلك الحالة متّسع لغيره فيتّفق قبض روحه في تلك الحال فيكون استغراق قلبه به منكسا رأسه إلى الدّنيا وصارفا وجهه إليها ، ومهما انصرف الوجه عن اللَّه تعالى حصل الحجاب ، ومهما حصل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 293
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩٣
هامش
( 1 ) راجع المجلد الأول ص 162 ، ومسند أحمد ج 5 ص 386 إلى 390 .
( 2 ) أخرجه البيهقي في الشعب مرسلا وقد تقدم في ذم الدنيا .