تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦

« وبدا لهم من اللَّه ما لم يكونوا يحتسبون » ( 1 ) وبقوله تعالى : « هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالا * الَّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا » ( 2 ) . وكما أنّه قد ينكشف في النوم ما سيكون في المستقبل وذلك بسبب خفّة اشغال الدّنيا عن القلب فكذلك ينكشف في سكرات الموت بعض الأمور إذ شواغل الدّنيا وشهوات البدن هي المانعة للقلب من أن ينظر إلى الملكوت فيطالع ما في اللَّوح المحفوظ لتنكشف له الأمور على ما هي عليه فيكون مثل هذه الحالة سببا للكشف ويكون الكشف سبب الشكّ في بقيّة الاعتقادات ، وكلّ من اعتقد في اللَّه تعالى وفي صفاته وأفعاله شيئا على خلاف ما هو به إمّا تقليدا وإمّا نظرا بالرأي والمعقول فهو في هذا الخطر ، والزّهد والصلاح لا يكفي لدفع هذا الخطر بل لا ينجي منه إلا الاعتقاد الحقّ ، والبله بمعزل عن هذا الخطر أعني الَّذين آمنوا باللَّه ورسوله واليوم الآخر إيمانا مجملا راسخا كالأعراب والسوادية وسائر العوام الَّذين لم يخوضوا في البحث والنظر ولم يشرعوا في الكلام استقلالا ولا أصغوا إلى أصناف المتكلَّمين في تقليد أقاويلهم المختلفة ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أكثر أهل الجنّة البله » [ 1 ] ولذلك منع السلف من البحث والنظر والخوض في الكلام والتفتيش عن هذه الأمور وأمروا الخلق أن يقتصروا على أن يؤمنوا بما أنزل اللَّه جميعا وبكلّ ما جاء من الظواهر مع اعتقاد نفي التشبيه ومنعوهم عن الخوض في التأويل لأنّ الخطر في البحث عن الصفات عظيم وعقباته كئودة ومسالكه وعرة ، والعقول عن درك جلال اللَّه قاصرة ، وهداية اللَّه بنور اليقين عن القلوب بما جبلت عليه من حبّ الدّنيا محجوبة ، وما ذكره الباحثون ببضاعة عقولهم مضطرب ومتعارض والقلوب لما القي إليها من مبدء النشوء آلفة وبه متعلَّقة والتعصّبات الثائرة بين الخلق مسامير مؤكَّدة للعقايد الموروثة أو المأخوذة بحسن الظنّ من المعلَّمين في أوّل الأمر ، ثمّ الطباع بحبّ الدّنيا مشعوفة وعليها

هامش
( 1 ) الزمر : 47 .
( 2 ) الكهف : 103 و 104 .
[ 1 ] أخرجه ابن شاهين في الافراد وابن عساكر عن جابر بسند ضعيف هكذا « دخلت الجنة فإذا أكثر أهلها البله » . ورواه البزار وقد تقدم .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 296 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري