تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
يزال الشقي متردّدا في جميع أحواله بين أصناف العذاب وهو في جملة الأحوال معذّب إلا أن يتغمّده اللَّه برحمته ، ولا تظننّ أنّ محلّ الإيمان يأكله التراب بل التراب يأكل جميع الجوارح ويبدّدها إلى أن يبلغ الكتاب أجله فيجتمع الأجزاء المتفرّقة ويعاد إليها الرّوح الَّتي هي محلّ الإيمان وقد كانت من وقت الموت إلى الإعادة إمّا في حواصل طير خضر معلَّقة تحت العرش إن كانت سعيدة وإمّا على حالة تضادّ هذه الحالة إن كانت - والعياذ باللَّه - شقيّة . فإن قلت : فما السبب الَّذي يفضي إلى سوء الخاتمة ؟ فاعلم أنّ أسباب هذه الأمور لا يمكن إحصاوها على التفصيل ولكن يمكن الإشارة إلى مجامعها أمّا الختم على الشكّ والجحود فينحصر سببه في فنّين أحدهما يتصوّر مع تمام الورع والزّهد وتمام الصلاح في الأعمال كالمبتدع الزّاهد فإنّ عاقبته مخطرة جدّا وإن كانت أعماله صالحة ولست أعني مذهبا وأقول : إنّه بدعة فإنّ بيان ذلك يطول القول فيه ، بل أعني بالبدعة أن يعتقد الرّجل في ذات اللَّه وصفاته وأفعاله خلاف الحقّ فيعتقد على خلاف ما هو عليه ، إمّا برأيه ومعقوله ونظره الَّذي به يجادل الخصوم وعليه يعوّل وبه يغترّ ، وإمّا أخذا بالتقليد ممّن هذا حاله فإذا قرب الموت وظهرت له ناصية ملك الموت واضطرب القلب بما فيه فربّما ينكشف له في حال سكرات الموت بطلان ما اعتقده جهلا ، إذ حال الموت حال كشف الغطاء ومبادي سكراته منه فقد ينكشف به بعض الأمور فمهما بطل عنده ما كان اعتقده وقد كان قاطعا به متيقّنا له عند نفسه لم يظنّ بنفسه أنّه أخطأ في هذا الاعتقاد خاصّة لالتجائه فيه إلى رأيه الغائل وعقله الناقص ، بل ظنّ أنّ كلّ ما اعتقده لا أصل له إذ لم يكن عنده فرق بين إيمانه باللَّه ورسوله وسائر اعتقاداته الصحيحة وبين اعتقاده الفاسد فيكون انكشاف بعض اعتقاداته عن الجهل سببا لبطلان بقيّة اعتقاداته أو لشكَّه فيها فإن اتّفق زهوق روحه في هذه الخطرة قبل أن ينيب ويعود إلى أصل الإيمان فقد ختم له بالسوء وخرجت روحه على الشرك والعياذ باللَّه منه ، فهؤلاء هم المرادون بقوله تعالى :