تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
الآخر بل كلّ واحد بنظره حتى يظهر التناسب وبعد التناسب يظهر الفضل ، ومهما قوبلت معرفة الشاكر بمعرفة الصابر ربّما رجعا إلى معرفة واحدة ، إذ معرفة الشاكر أن يرى نعمة العينين مثلا من اللَّه ومعرفة الصابر أن يرى العمى من اللَّه وهما معرفتان متلازمتان ومتساويتان هذا إن اعتبرتا في البلاء والمصائب وقد بيّنّا أنّ الصبر قد يكون على الطاعة وعن المعصية وفيهما يتّحد الشكر والصبر لأنّ الصبر على الطاعة هو عين شكر الطاعة لأنّ الشكر يرجع إلى صرف نعمة اللَّه تعالى إلى ما هو المقصود منها بالحكمة ، والصبر يرجع إلى ثبات باعث الدّين في مقابلة باعث الهوى فالصبر والشكر فيه اسمان لمسمّى واحد باعتبارين مختلفين فإثبات باعث الدّين في مقاومة باعث الهوى يسمّى صبرا بالإضافة إلى باعث الهوى ويسمّى شكرا بالإضافة إلى باعث الدّين إذ باعث الدّين إنّما خلق لهذه الحكمة وهو أن يصرع به باعث الهوى فقد صرفه إلى مقصود الحكمة فهما عبارتان عن معنى واحد فكيف يفضل الشيء على نفسه فإذن مجاري الصبر ثلاثة : الطاعة والمعصية والبلايا وقد ظهر حكمهما في الطاعة والمعصية ، وأمّا البلاء فهو عبارة عن فقد نعمة والنعمة إمّا أن تكون ضروريّة كالعينين مثلا وإمّا أن تقع في محلّ الحاجة كالزّيادة على قدر الكفاية من المال أمّا العينان فصبر الأعمى عنهما بأن لا يظهر الشكوى ويظهر الرّضا بقضاء اللَّه ولا يترخّص بسبب العمى في بعض المعاصي وشكر البصير عليهما من حيث العمل بأمرين أحدهما أن لا يستعين بهما على معصية والآخر أن يستعملهما في الطاعة ، وكلّ واحد من الأمرين لا يخلو عن الصبر فإنّ الأعمى كفي الصبر عن الصور الجميلة لأنّه لا يراها ، والبصير إذا وقع بصره على جميل فصبر كان شاكرا لنعمة العينين وإن أتبع النظر كفر نعمة العينين فقد دخل الصبر في شكره ، وكذلك إذا استعان بالعينين على الطاعة فلا بدّ فيه أيضا من صبر على الطاعة ، ثمّ قد يشكرهما بالنظر إلى عجائب صنع اللَّه ليتوصّل به إلى معرفة اللَّه فيكون هذا الشكر أفضل من الصبر ولولا هذا لكانت رتبة شعيب عليه السّلام مثلا وقد كان ضريرا من بين الأنبياء فوق رتبة موسى عليه السّلام وغيره لأنّه صبر على فقد البصر وموسى عليه السّلام لم يصبر ولكان الكمال في أن يسلب الإنسان الأطراف