تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣

منّا فأيّ معنى لقوله : « من ذا الَّذي يقرض اللَّه قرضا حسنا » ولو شاء اللَّه إطعام المساكين لأطعمهم فلا حاجة بنا إلى صرف أموالنا إليهم كما قال تعالى حكاية عن الكفّار : « وإذا قيل لهم أنفقوا ممّا رزقكم اللَّه قال الَّذين كفروا للَّذين آمنوا أنطعم من لو يشاء اللَّه أطعمه » ( 1 ) وقالوا أيضا : « لو شاء اللَّه ما أشركنا ولا آباؤنا » ( 2 ) فانظر كيف كانوا صادقين في كلامهم وكيف هلكوا بصدقهم فسبحان من إذ شاء أهلك بالصدق وإذا شاء أسعد بالجهل « يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا » ، فهؤلاء ظنّوا أنّهم استخدموا لأجل المساكين والفقراء أو لأجل اللَّه تعالى ثمّ قالوا : لا حظَّ لنا في المساكين ولا حظَّ للَّه فينا وفي أموالنا سواء أنفقنا أو أمسكنا هلكوا كما هلك الصبيّ لمّا ظنّ أنّ مقصود الوالد استخدامه لأجل العبيد ولم يشعر بأنّه كان المقصود ثبات صفة العلم في نفسه وتأكَّده في قلبه حتّى يكون ذلك سبب سعادته في الدّنيا والآخرة ، وإنّما كان ذلك من الوالد تلطَّفا به في استجراره إلى ما فيه سعادته ، فهذا المثال يبيّن لك ضلال من ضلّ من هذا الطريق فإذن المسكين الآخذ لمالك يستوفي بواسطة المال خبث البخل وحبّ الدّنيا من باطنك فإنّه مهلك لك ، فهو كالحجّام يستخرج الدّم منك ليخرج بخروج الدّم العلَّة المهلكة من باطنك ، فالحجّام خادم لك لا أنت خادم للحجّام ولا يخرج الحجّام عن كونه خادما بأن يكون له غرض في أن يصنع شيئا بالدّم ولما كانت الصدقات مطهّرة للبواطن ومزكَّية لها عن خبائث الصفات امتنع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن أخذها وانتهى عنها كما نهى عن كسب الحجّام وسمّاها أوساخ أموال الناس وشرّف أهل بيته بالصيانة عنها والمقصود أنّ الأعمال مؤثّرات في القلب كما سبق في ربع المهلكات ، والقلب بحسب تأثّره يستعدّ لقبول الهداية ونور المعرفة فهذا هو القول الكلَّي والقانون الأصلي الَّذي ينبغي أن يرجع إليه في معرفة فضائل الأعمال والأحوال والمعارف فلنرجع الآن إلى خصوص ما نحن فيه من الشكر والصبر فنقول : في كلّ واحد منهما معرفة وحال وعمل فلا يجوز أن تقابل المعرفة في أحدهما بالحال أو العمل في

هامش
( 1 ) يس : 48 .
( 2 ) الانعام : 148 .