تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
أن يجلب إليه حالة مانعة من المكاشفة موجبة لظلمة القلب جاذبة إلى زخارف الدّنيا وإمّا أن يجلب إليه حالة مهيّئة للمكاشفة موجبة لصفاء القلب وقطع علائق الدّنيا عنه ، واسم الأوّل المعصية واسم الثاني الطاعة ، والمعاصي من حيث التأثير في ظلمة القلب وقساوته متفاوتة ، وكذا الطاعات في تنوير القلب وتصفيته فدرجاتها بحسب درجات تأثيرها وذلك يختلف باختلاف الأحوال ، وذلك أنّا بالقول المطلق ربّما نقول : الصلاة النافلة أفضل من كلّ عبادة نافلة ، وإنّ الحجّ أفضل من الصدقة ، وإنّ قيام اللَّيل أفضل من غيره ، ولكنّ التحقيق فيه أنّ الغنيّ الَّذي معه مال وقد غلبه البخل وحبّ المال على إمساكه فإخراج درهم له أفضل من قيام ليال وصيام أيّام لأنّ الصيام يليق بمن غلبته شهوة البطن فأراد كسرها أو منعه الشبع عن صفاء الفكر في علوم المكاشفة فأراد تصفية القلب بالجوع ، فأمّا هذا المريد إذ لم يكن حاله هذه الحال فليس يستضرّ بشهوة بطنه ولا هو مشتغل بنوع فكر يمنعه الشبع منه فاشتغاله بالصوم خروج منه عن حاله اللائق به إلى حال غيره وهو كالمريض الَّذي يشكو وجع البطن إذا استعمل دواء الصداع فلا ينتفع به بل حقّه أن ينظر في المهلك الَّذي استولى عليه ، والشحّ المطاع من جملة المهلكات ولا يزيل صيام مائة سنة وقيام ألف ليلة منه ذرّة ، بل لا يزيله إلا إخراج المال فعليه أن يتصدّق بما معه وتفصيل هذا ممّا ذكرناه في ربع المهلكات فليرجع إليه ، فإذن باعتبار هذه الأحوال يختلف تأثير الطاعات والمعاصي فكذلك درجاتها تختلف ، وعند ذلك يعرف البصير أنّ الجواب المطلق فيه خطأ إذ لو قال لنا قائل : الخبز أفضل أم الماء لم يكن فيه جواب حقّ إلا أنّ الخبز للجائع أفضل والماء للعطشان ، فإن اجتمعا فلينظر إلى الأغلب فإن كان العطش هو الأغلب فالماء أفضل فإن تساويا فهما متساويان ، وكذا إذا قيل السكنجبين أفضل أم شراب النيلوفر لم يصحّ الجواب عنه مطلقا أصلا ، نعم لو قيل السكنجبين أفضل أم عدم الصفراء ؟ فنقول : عدم الصفراء لأنّ السكنجبين مراد له وما يراد لغيره فذلك الغير أفضل منه لا محالة ، فإذا في بذل المال عمل وهو الإنفاق ويحصل به حال وهو زوال البخل وخروج حبّ الدّنيا من القلب ، ويتهيّأ القلب