أعلى رتبة وكذلك قوله : « الصبر نصف الإيمان » ( 1 ) لا يدلّ على أنّ الشكر مثله ، وهو كقوله عليه السّلام : « الصوم نصف الصبر » [ 1 ] فإنّ كلّ ما ينقسم بقسمين يسمّى أحدهما نصفا وإن كان بينهما تفاوت كما يقال : الإيمان هو العلم والعمل ، فالعمل نصف الإيمان فلا يدلّ ذلك على أنّ العمل يساوي العلم ، وفي الخبر « أبواب الجنّة كلَّها مصراعان إلا باب الصبر فإنّه مصراع واحد وأوّل من يدخله أهل البلاء أمامهم أيوب صلوات اللَّه عليه » ( 2 ) وكلّ ما ورد في فضائل الفقر يدلّ على فضيلة الصبر لأنّ الصبر حال الفقير والشكر حال الغنيّ . أقول : وفي الكافي عن أبي جعفر عليه السّلام قال : « مروءة الصبر في حال الحاجة والفاقة والتعفّف والغنى أكثر من مروءة الإعطاء » ( 3 ) . قال أبو حامد : فهذا هو المقام الَّذي يقنع العوام ويكفيهم في الوعظ اللائق بهم والتعريف لما فيه صلاح دينهم . المقام الثاني : هو البيان الَّذي يقصد به تعريف أهل العلم والاستبصار بحقائق الأمور بطريق الكشف والإيضاح فنقول فيه : كلّ أمرين مبهمين لا يمكن الموازنة بينهما مع الإبهام ما لم يكشف عن حقيقة كلّ واحد منهما وكلّ مكشوف يشتمل على أقسام لا تمكن الموازنة بين الجملة والجملة بل يجب أن تفرّد الآحاد بالموازنة حتّى يتبيّن الرّجحان ، والصبر والشكر أقسامهما وشعبهما كثيرة فلا يتبيّن حكمهما في الرّجحان والنقصان مع الإجمال فنقول : قد ذكرنا أنّ هذه المقامات تنتظم من ثلاثة أمور : علوم وأحوال وأعمال ، والشكر والصبر وسائر المقامات هي كذلك ، وهذه الثلاثة إذا وزن البعض منها بالبعض لاح للناظرين إلى الظواهر أنّ العلوم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 239
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٩
هامش
( 1 ) تقدم في الباب .
( 2 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا .
( 3 ) المصدر ج 2 ص 93 تحت رقم 22 .
[ 1 ] أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة بسند ضعيف كما في الجامع الصغير بلفظ « الصيام » .