والثوب يغسّل بالصّابون والوسخ لا يزول إلا أن يغوص الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب وخلله ، فلا يقوى الصّابون على قلعه ، فمثال ذلك أن تتراكم الذّنوب حتّى تصير طبعا ورينا على القلب ، فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب نعم قد يقول باللَّسان تبت فيكون ذلك كقول القصّار بلسانه قد غسلت الثوب وذلك لا ينظَّف الثّوب أصلا ما لم يغيّر صفة الثوب باستعمال ما يضادّ الوصف المتمكَّن منه فهذا حال امتناع أصل التوبة وهو غير بعيد بل هو الغالب على كافّة الخلق المقبلين على الدّنيا المعرضين عن اللَّه بالكلَّيّة ، فهذا البيان كاف عند ذوي البصائر في قبول التوبة ولكنّا نعضد جناحه بنقل الآيات والأخبار والآثار فكلّ استبصار لا يشهد له الكتاب والسنّة لا يوثق به فقد قال اللَّه تعالى : « وهو الَّذي يقبل التوبة عن عباده » ( 1 ) . وقال : « غافر الذّنب وقابل التوب » ( 2 ) إلى غير ذلك من الآيات . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « للَّه أفرح بتوبة عبده . . . . الحديث » ( 3 ) والفرح وراء القبول فهو دليل على القبول وزيادة . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ اللَّه عزّ وجلّ يبسط يده بالتوبة لمسيء اللَّيل إلى النهار ولمسيء النهار إلى اللَّيل حتّى تطلع الشمس من مغربها » [ 1 ] وبسط اليد كناية عن طلب التوبة ، والطالب وراء القابل فربّ قابل ليس بطالب ولا طالب إلا وهو قابل . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لو عملتم الخطايا حتّى تبلغ السّماء ثمّ ندمتم لتاب اللَّه عليكم » [ 2 ] . وقال عليه السّلام أيضا : « إنّ العبد ليذنب الذّنب فيدخل به الجنّة ، قيل : كيف ذلك يا رسول اللَّه ؟ قال : يكون نصب عينه تائبا منه فارّا فما زال حتّى يدخل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 24
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٤
هامش
( 1 ) الشورى : 24 .
( 2 ) غافر : 3 .
( 3 ) تقدم أول هذا الكتاب .
[ 1 ] أخرجه مسلم ج 8 ص 100 من حديث أبي موسى بلفظ « يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار » وقال العراقي : وفي رواية للطبراني « لمسيء الليل أن يتوب بالنهار » .
[ 2 ] أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4248 بلفظ « لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب عليكم » وسنده حسن .