والاضطراب وذلك سوء الخاتمة ولمثل هذا قال سبحانه وتعالى : « وليست التوبة للَّذين يعملون السيّئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن » بل التوبة كما قال تعالى : « إنّما التوبة على اللَّه للَّذين يعملون السوء بجهالة ثمّ يتوبون من قريب » ( 1 ) ومعناه عن قريب عهد بالخطيئة بأن يتندّم عليها ويمحو أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرّين على القلب فلا يقبل المحو ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « أتبع السيّئة الحسنة تمحها » ولذلك قال لقمان لابنه : يا بنيّ لا تؤخّر التوبة فإنّ الموت يأتي بغتة ، ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين أحدهما أن يتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتّى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو ، والثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو ولذلك ورد في الخبر « إنّ أكثر صياح أهل النّار من التسويف » [ 1 ] فما هلك من هلك إلا بالتسويف فيكون تسويده للقلب نقدا وجلاؤه بالطاعة نسيئة إلى أن يختطفه الأجل فيأتي اللَّه بقلب غير سليم ولا ينجو إلا من أتي اللَّه بقلب سليم ، فالقلب أمانة اللَّه تعالى عند عبده والعمر أمانة اللَّه عنده وكذا سائر أسباب الطاعة ، فمن خان في الأمانة ولم يتدارك خيانته فأمره مخطر . قال بعض العارفين : إنّ للَّه تعالى إلى عبده سرّين يسرّهما إليه على سبيل الإلهام أحدهما إذا خرج من بطن أمّه يقول له : عبدي قد أخرجتك إلى الدّنيا ظاهرا نظيفا واستودعتك عمرك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة ، وانظر كيف تلقاني . والثاني عند خروج روحه يقول : عبدي ما ذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتّى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب . وإليه الإشارة بقوله تعالى : « أوفوا بعهدي أوف بعهدكم » ( 2 ) وبقوله تعالى : « والَّذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون » ( 3 ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 22
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٢
هامش
( 1 ) النساء : 19 و 18 .
( 2 ) البقرة : 40 .
( 3 ) المؤمنون : 8 .
[ 1 ] قال العراقي : لم أجد له أصلا .