تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣

* ( بيان أن التوبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة ) * اعلم أنّك إذا فهمت معنى القبول لم تشكّ في أنّ كلّ توبة صحيحة فهي مقبولة فالناظرون بنور البصائر المستمدّون من أنوار القرآن علموا أنّ كلّ قلب سليم مقبول عند اللَّه ومتنعّم في الآخرة في جوار اللَّه ومستعدّ لأن ينظر بعينه الباقية إلى وجه اللَّه ، وعلموا أنّ القلب خلق سليما في الأصل فكلّ مولود يولد على الفطرة وإنّما تفوته السلامة بكدورة ترهق وجهه من غبرة الذّنوب وظلمتها وعلموا أنّ نار الندم تحرق تلك الغبرة وأنّ نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيّئة وأنّه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات كما لا طاقة لظلام اللَّيل مع نور النهار بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصّابون ، فكما أنّ الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه فالقلب المظلم لا يقبله اللَّه تعالى لأن يكون في جواره وكما أنّ استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسّخ الثوب وغسله بالصابون والماء الحارّ ينظَّفه لا محالة فاستعمال القلب في الشهوات يوسّخ القلب وغسله بماء الدّموع وحرقة الندم ينظَّفه ويطهّره ويزكَّيه ، وكلّ قلب زكيّ طاهر فهو مقبول كما أنّ كلّ ثوب نظيف فهو مقبول فإنّما عليك التزكية والتطهير فأمّا القبول فمبذول قد سبق به القضاء الأزلي الَّذي لا مردّ له وهو المسمّى فلاحا في قوله تعالى : « قد أفلح المؤمنون » ( 1 ) وقوله « قد أفلح من زكَّاها » ( 2 ) ومن لم يعرف على سبيل التحقيق معرفة أقوى وأجلى من المشاهدة بالبصر أنّ القلب يتأثّر بالمعاصي والطاعات تأثّرا متضادّا يستعار لأحدهما لفظ الظلمة كما يستعار للجهل ويستعار للآخر لفظ النّور كما يستعار للعلم ، وأنّ بين النّور والظلمة تضادا ضروريا لا يتصوّر الجمع بينهما ، فكأنّه لم يعرف من الدّين إلا قشوره ولم يعلق بقلبه إلا أسماؤه وقلبه في غطاء كثيف عن حقيقة الدّين بل عن حقيقة نفسه وصفات نفسه ومن جهل نفسه فهو بغيره أجهل وأعني به قلبه إذ بقلبه يعرف غير قلبه فكيف يعرف غيره وهو لا يعرف نفسه فمن يتوهّم أنّ التوبة تصحّ ولا تقبل كمن يتوهّم أنّ الشمس تطلع والظلام لا يزول

هامش
( 1 ) المؤمنون : 2 .
( 2 ) الشمس : 10 .