فعافية القلب أعلى من عافية البدن .
وقال مطرّف بن عبد اللَّه : لأن أعافي فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلي فأصبر .
وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في دعائه : « وعافيتك أحبّ إليّ » [ 1 ]
وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل واستشهاد وهذا لأنّ البلاء صار نعمة باعتبارين أحدهما بالإضافة إلى ما هو أكبر منه إمّا في الدّنيا أو في الدّين والآخر بالإضافة إلى ما يرجى من الثواب فينبغي أن يسأل اللَّه تمام النعمة في الدّنيا ودفع ما فوقه من البلاء ويسأله الثواب في الآخرة على الشكر على نعمته ، فإنّه قادر على أن يعطي على الشكر ما [ لا ] يعطيه على الصبر ، فإن قلت : فقد قال بعضهم : أودّ أن أكون جسرا على النار يعبر عليّ الخلق كلَّهم فينجون وأكون أنا في النار . وقال سمنون :
وليس لي في سواك حظَّ * فكيف ما شئت فاختبرني
فهذا من هؤلاء سؤال للبلاء ؟ فاعلم أنّه حكي أنّ سمنون ابتلي بعد هذا البيت بعلَّة الحصر فكان بعد ذلك يدور على أبواب المكاتب ويقول للصبيان : ادعوا لعمّكم الكذّاب .
وأمّا محبّة الإنسان ليكون هو في النّار دون سائر الخلق فغير ممكن ولكن قد تغلب المحبّة على القلب حتّى يظنّ المحبّ بنفسه حبّا لمثل ذلك فمن شرب كأس المحبّة سكر ومن سكر توسّع في الكلام ولو زايله سكره علم أنّ ما غلب عليه كانت حالة لا حقيقة لها فما تسمعه من هذا الفنّ فهو كلام العشّاق الَّذين أفرط حبّهم وكلام العشّاق يستلذّ سماعه ولا يعوّل عليه كما روي أنّ فاختة كان يراودها زوجها فتمنعه فقال : ما الَّذي يمنعك عنّي ولو أردت أن أقلب لك ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلته لأجلك فسمعه سليمان فاستدعاه وعاتبه فقال : يا نبيّ اللَّه كلام العشّاق لا يحكى وهو كما قال . وقول الشاعر :
أريد وصاله ويريد هجري * فأترك ما أريد لما يريد
هامش
[ 1 ] ذكره ابن هشام في السيرة في دعائه عليه السّلام حين خروجه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم إلى الطائف .