تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
هو أيضا محال ومعناه أنّي أريد مالا أريد لأنّ من أراد الوصال ما أراد الهجر فكيف أراد الهجر الَّذي لم يرده بل لا يصدق هذا الكلام إلا بتأويلين أحدهما أن يكون ذلك في بعض الأحوال حتّى يكتسب به رضاه الَّذي يتوصّل به إلى مراد الوصال في الاستقبال فيكون الهجران وسيلة إلى الرّضا والرّضا وسيلة إلى وصال المحبوب ، والوسيلة إلى المحبوب محبوبة فيكون مثاله مثال محبّ المال إذا أسلم درهما في درهمين فهو لحبّ الدّرهمين يترك الدّرهم في الحال . الثاني أن يصير رضاه عنده مطلوبا من حيث إنّه رضى فقطَّ ويكون له لذّة في استشعاره رضا محبوبه منه تزيد تلك اللَّذّة على لذّته في مشاهدته مع كراهته فعند ذلك يتصوّر أن يريد ما فيه الرّضا فلذلك قد انتهى حال بعض المحبّين إلى أن صارت لذّتهم في استشعارهم رضا اللَّه عنهم أكثر من لذّتهم في العافية من غير شعور الرّضا ، فهؤلاء إذا قدروا رضاه في البلاء صار البلاء أحبّ إليهم من العافية ، وهذه حالة لا يبعد وقوعها في غلبات الحبّ ولكنّها لا تثبت وإن ثبتت مثلا فهل هي حالة صحيحة أم حالة اقتضتها حالة أخرى وردت على القلب فمالت به عن الاعتدال هذا فيه نظر ، وذكر تحقيقه لا يليق بما نحن فيه . وقد ظهر بما سبق أنّ العافية خير من البلاء فنسأل اللَّه العفو والعافية في الدّنيا والآخرة . * ( بيان الأفضل من الصبر والشكر ) * اعلم أنّ الناس اختلفوا في ذلك فقال قائلون : الصّبر أفضل من الشّكر وقال آخرون : الشكر أفضل ، وقال آخرون هما سيّان ، وقال آخرون : يختلف ذلك باختلاف الأحوال واستدلّ كلّ فريق بكلام شديد الاضطراب بعيد عن التحصيل فلا معنى للتّطويل بالنقل بل المبادرة إلى إظهار الحقّ أولى فنقول : في بيان ذلك مقامان : الأوّل البيان على سبيل التساهل وهو أن ننظر إلى ظاهر الأمر ولا نطلب بالتفتيش تحقيقه وهو البيان الَّذي ينبغي أن يخاطب به عوام الخلق لقصور أفهامهم عن درك الحقائق الغامضة وهذا الفنّ من الكلام هو الَّذي ينبغي أن يعتمده الوعّاظ إذ مقصود كلامهم من مخاطبة العوام إصلاحهم ، والظئر المشفقة لا ينبغي أن تصلح