شيء من هذه الأسباب يوجد من العبد إلا ويتصوّر أن يكون له فيه خيرة دينيّة فعليه أن يحسن الظنّ باللَّه ويقدّر فيه الخيرة ويشكره عليه ، فإنّ حكمة اللَّه واسعة وهو بمصالح العباد أعلم من العباد وغدا يشكره العباد على البلايا إذا رأوا ثواب اللَّه على البلايا كما يشكر الصبيّ بعد العقل والبلوغ أستاده وأباه على ضربه وتأديبه إذ يدرك ثمرة ما استفاده من التأديب ، والبلاء تأديب من اللَّه تعالى وعنايته بعباده أتمّ وأوفر من عناية الآباء بالأولاد فقد روي أنّ رجلا قال لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أوصني فقال : « لا تتّهم اللَّه في شيء قضاه عليك » [ 1 ] ونظر صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إلى السماء فضحك فسئل فقال : « عجبت لقضاء اللَّه تعالى للمؤمن إن قضى له بالسرّاء رضي وكان خيرا له وإن قضى له بالضرّاء رضي وكان خيرا له » ( 1 ) . والوجه الثاني : رأس الخطايا المهلكة حبّ الدّنيا ورأس أسباب النجاة التجافي بالقلب عن دار الغرور ، ومؤاتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء ومصيبة تورث طمأنينة القلب إلى الدّنيا وأسبابها حتّى تصير كالجنّة في حقّه فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته وإذا كثرت عليه المصائب انزعج قلبه عن الدّنيا ولم يسكن إليها ولم يأنس بها وصارت الدّنيا سجنا عليه وكان نجاته منها غاية اللَّذّة كالخلاص من السجن ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الدّنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » ( 2 ) والكافر كلّ من أعرض عن اللَّه ولم يرد إلا الحياة الدّنيا ورضي بها واطمأنّ إليها والمؤمن كلّ منقلع بقلبه عن الدّنيا شديد الحنين إلى الخروج منها ، والكفر بعضه ظاهر وبعضه خفيّ ، وبقدر حبّ الدّنيا في القلب سرى فيه الشرك الخفيّ بل الموحّد المطلق هو الَّذي لا يحبّ إلا الواحد الحقّ ، فإذن في البلاء نعم من هذا الوجه فيجب الفرح به ، وأمّا التألَّم فهو ضروريّ وذلك يضاهي فرحك عند الحاجة إلى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 229
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٢٩
هامش
( 1 ) أخرجه البغوي ج 2 ص 179 من حديث صهيب بسند صحيح .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4113 وغيره في كتاب الزهد .
[ 1 ] أخرجه أحمد ج 5 ص 319 من حديث عبادة بن صامت بزيادة في أوله وفي اسناده عبد اللَّه ابن لهيعة وهو صدوق إلا أنه خلط بعد احتراق كتبه .