دعاه ثانيا فقال : يا ربّ قال اللَّه تعالى : لبّيك عبدي وسعديك لا تسألني شيئا إلا أعطيتك أو رفعت عنك ما هو خير وادّخرت لك عندي ما هو أفضل منه فإذا كان يوم القيامة جيء بأهل الأعمال فوفّوا أعمالهم بالميزان أهل الصلاة والصيام والصدقة والحجّ ثمّ يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان يصبّ عليهم الأجر صبّا ، كما كان يصبّ عليهم البلاء صبّا فيودّ أهل العافية في الدّنيا لو أنّهم كانت تقرض أجسادهم بالمقاريض لما يرون ما يذهب به أهل البلاء من الثواب فذلك قوله تعالى : « إنّما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب » ( 1 ) وعن ابن عبّاس قال : شكا نبيّ من الأنبياء إلى ربّه فقال : يا ربّ العبد المؤمن يطيعك ويجتنب معاصيك تزوي عنه الدّنيا وتعرض له البلاء ويكون العبد الكافر لا يطيعك ويجترئ على معاصيك تزوي عنه البلاء وتبسط له الدّنيا فأوحى اللَّه تعالى إليه أنّ العباد لي والبلاء لي وكلّ يسبّح بحمدي فيكون المؤمن عليه من الذّنوب كأمثال الجبال فأزوي عنه الدّنيا وأعرضه للبلاء فيكون كفّارة لذنوبه حتّى يلقاني فأجزيه بحسناته ويكون الكافر له الحسنات فأبسط له في الرّزق وأزوي عنه البلاء فأجزيه بحسناته في الدّنيا حتّى يلقاني فأجزيه بسيّئاته . وروي أنّه لما نزل قوله تعالى : « من يعمل سوء يجز به » ( 2 ) قيل : كيف الفرح بعد هذه الآية فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم للقائل : « ألست تمرض ؟ أليس يصيبك الأذى ؟ أليس تحزن ؟ فهذا ما تجزون به ( 3 ) يعني أنّ جميع ما يصيبك يكون كفّارة لذنوبك . وعن عقبة بن عامر عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « إذا رأيتم الرّجل يعطيه اللَّه ما يحبّ وهو مقيم على معصيته فاعلموا أنّ ذلك استدراج ، ثمّ قرأ قوله تعالى : « فلمّا نسوا ما ذكَّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء » ( 4 ) يعني لمّا تركوا ما أمروا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 232
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٢
هامش
( 1 ) الزمر : 10 .
( 2 ) النساء : 123 .
( 3 ) راجع الدر المنثور ج 2 ص 226 رواه عن جماعة .
( 4 ) أخرجه أحمد ج 4 ص 145 والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب . والآية في سورة الأنعام : 44 .