تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨

وربّ خاطر بسوء أدب في حقّ اللَّه تعالى وفي صفاته أعظم وأطمّ من شرب الخمر والزّناء وسائر المعاصي بالجوارح ، ولذلك قال تعالى في مثله « تحسبونه هيّنا وهو عند اللَّه عظيم » ( 1 ) فمن أين تعلم أنّ غيرك أعصى منك ثمّ لعلَّه قد أخرت عقوبته إلى الآخرة وعجّلت عقوبتك في الدّنيا فلم لا تشكر اللَّه على ذلك ؟ وهذا هو الوجه الثالث في الشكر وهو أنّه ما من عقوبة إلا وكان يتصوّر أن تؤخّر إلى الآخرة ومصائب الدّنيا يتسلَّى عنها بأسباب أخر تهون المصيبة فيخفّ وقعها ومصيبة الآخرة تدوم وإن لم تدم فلا سبيل إلى تخفيفها بالتسلَّي إذ أسباب التسلَّي مقطوعة بالكلَّيّة في الآخرة عن المعذّبين ومن عجّلت عقوبته في الدّنيا فلا يعاقب ثانيا إذ قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ العبد إذا أذنب ذنبا فأصابته شدّة أو بلاء في الدّنيا فاللَّه أكرم من أن يعذّبه ثانيا » [ 1 ] . أقول : وهذا المعنى مرويّ من طريق الخاصّة أيضا بغير واحد من الاسناد ( 2 ) . قال : الرابع أنّ هذه المصيبة والبليّة كانت مكتوبة عليه في أمّ الكتاب وكان لا بدّ من وصولها إليه وقد وصلت ووقع الفراغ واستراح من بعضها أو من جميعها فهذه نعمة . الخامس أنّ ثوابها أكثر منها فإنّ مصائب الدّنيا طرق إلى الآخرة من وجهين . أحدهما الوجه الَّذي به يكون الدّواء الكريه نعمة في حقّ المريض ويكون المنع من أسباب اللَّعب نعمة في حقّ الصبيّ فإنّه لو خلَّي واللَّعب كان يمنعه ذلك عن العلم والأدب فكان يحزن جميع عمره ، فكذلك المال والأهل والأقارب والأعضاء حتّى العين الَّتي هي أعزّ الأشياء قد تكون سببا لهلاك الإنسان في بعض الأحوال بل العقل الَّذي هو أعزّ الأمور قد يكون سببا لهلاكه فالملاحدة غدا يتمنّون لو كانوا مجانين وصبيانا ولم يتصرّفوا بعقولهم في دين اللَّه ، فما من

هامش
( 1 ) النور : 15 .
( 2 ) راجع الكافي ج 2 ص 444 باب تعجيل عقوبة الذنب .
[ 1 ] أخرجه ابن ماجة تحت رقم 2604 من حديث علي عليه السّلام هكذا « من أصاب في الدنيا ذنبا فعوقب به فاللَّه أعدل من أن يثنى عقوبته على عبده ، ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره اللَّه عليه فاللَّه أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه » .