كمن به علَّة وهو لا يتألَّم بها بسبب غشية أو غيرها فلا صبر عليه والعاصي يعرف أنّه عاص فعليه ترك المعصية بل كلّ بلاء يقدر الإنسان على دفعه فلا يؤمر بالصبر عليه فلو ترك الإنسان الماء مع طول العطش حتّى عظم تألَّمه فلا يؤمر بالصبر عليه بل يؤمر بإزالة الألم وإنّما الصبر على ألم ليس إلى العبد إزالته ، فإذن يرجع الصبر في الدّنيا إلى ما ليس ببلاء مطلق ، بل يجوز أن يكون نعمة من وجه فلذلك يتصوّر أن يجتمع عليه وظيفة الصبر والشكر فإنّ الغنى مثلا يجوز أن يصير سببا لهلاك الإنسان حتّى يقصد بسبب ماله فيقتل وتقتل أولاده ، والصحّة أيضا كذلك فما من نعمة من هذه النعم الدّنياويّة إلا ويجوز أن تصير بلاء ولكن بالإضافة إليه ، وكذلك ما من بلاء إلا ويجوز أن يصير نعمة ولكن بالإضافة إلى حاله فربّ عبد يكون الخيرة له في الفقر والمرض ، ولو صحّ بدنه وكثر ماله لبطر وطغى وبغى ، قال اللَّه تعالى : « ولو بسط اللَّه الرّزق لعباده لبغوا في الأرض » ( 1 ) وقال تعالى : « إنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى » ( 2 ) وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ اللَّه ليحمي عبده المؤمن الدّنيا وهو يحبّه كما يحمي أحدكم مريضه » ( 3 ) وكذلك الزّوجة والولد والقريب وكلّ ما ذكرناه في الأقسام الستّة عشر من النعم سوى الإيمان وحسن الخلق فإنّها يتصوّر أن يكون بلاء في حقّ بعض الناس فيكون أضدادها إذن نعما في حقّهم إذ قد سبق أنّ المعرفة كمال ونعمة فإنّها صفة من صفات اللَّه تعالى ، ولكن قد تكون على العبد في بعض الأمور بلاء ويكون فقدها نعمة ، مثاله جهل الإنسان بأجله فإنّه نعمة عليه إذ لو عرفه ربما تنغّص عليه العيش وطال بذلك غمّه ، وكذلك جهله بما يضمره الناس عليه من معارفه وأقاربه نعمة عليه إذ لو رفع الستر واطَّلع عليه لطال ألمه وحقده وحسده واشتغاله بالانتقام ، وكذلك جهله بالصفات المذمومة من غيره نعمة عليه إذ لو عرفها أبغضه وآذاه وكان ذلك وبالا عليه في الدّنيا والآخرة ، بل جهله بالخصال المحمودة في غيره قد يكون نعمة عليه ، فإنّه ربّما يكون وليّا للَّه وهو
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 225
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٢٥
هامش
( 1 ) الشورى : 27 .
( 2 ) العلق : 6 و 7 .
( 3 ) أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم ج 4 ص 309 نحوه وصححه وقد تقدم .