المقيم والملك العظيم ، بل البصير ينبغي أن لا يفرح إلا بالمعرفة واليقين والإيمان ، بل نحن نعلم من العلماء من لو سلَّم إليه جميع ما دخل تحت قدرة ملوك الأرض من الشرق إلى الغرب من أموال وأتباع وأنصار وقيل له : خذ هذا عوضا عن علمك بل عن عشر عشير علمك لم يأخذه وذلك لرجائه أنّ نعمة العلم تفضي به إلى قرب اللَّه سبحانه وتعالى في الآخرة بل لو قيل له : لك في الآخرة ما ترجوه بكماله فخذ هذه اللَّذّات في الدّنيا بدلا عن التذاذك بالعلم في الدّنيا وفرحك به لكان لا يأخذه لعلمه بأنّ لذّة العلم دائمة لا تنقطع ، وثابتة لا تسرق ولا تغصب ولا تنافس فيها وأنّها صافية لا كدورة فيها ، ولذّات الدّنيا كلَّها ناقصة مكدّرة مشوّشة لا يفي مرجوّها بمخوفها ولا لذّتها بألمها ولا فرحها بغمّها هكذا رئي إلى الآن ، وهكذا تكون في ما بقي من الزّمان إذ ما خلقت لذّات الدّنيا إلا لتجلب بها العقول الناقصة وتخدع حتّى إذا انخدعت وتقيّدت بها أبت عليها واستعصت كالمرأة الجميلة ظاهرها تتزيّن للشابّ الشبق الغني حتّى إذا تقيّد بها قلبه استعصت عليه واحتجبت عنه فلا يزال معها في عناء دائم وتعب قائم ، وكلّ ذلك لاغتراره بلذّة النظر إليها في لحظة ولو عقل وغضّ البصر واستهان بتلك اللَّذة سلم جميع عمره فهكذا وقوع أرباب الدّنيا في شباك الدنيا وحبائلها فلا ينبغي أن نقول : إنّ المعرض عن الدّنيا متألَّم بالصبر عنها فإنّ المقبل أيضا عليها متألَّم بالصبر عليها وحفظها وتحصيلها ودفع اللَّصوص عنها وتألَّم المعرض يفضي إلى لذّة في الآخرة وتألَّم المقبل يفضي إلى الألم في الآخرة فليقرء المعرض عن الدّنيا على نفسه قوله تعالى : « ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون وترجون من اللَّه ما لا يرجون » ( 1 ) فإذن إنّما انسدّ طريق الشكر على الخلق لجهلهم بضروب النعم الظاهرة والباطنة والخاصّة والعامّة . فإن قلت : فما علاج هذه القلوب الغافلة حتّى تشعر بنعم اللَّه فعساها تشكر ؟ فأقول : أمّا القلوب البصيرة فعلاجها التأمّل فيما رمزنا إليه من أصناف نعم اللَّه تعالى العامّة وأمّا القلوب البليدة الَّتي لا تعدّ النعمة نعمة إلا إذا خصّته أو أشعر بالبلاء معها
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 222
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٢٢
هامش
( 1 ) النساء : 105 .