فسبيله أن ينظر أبدا إلى من دونه ويفعل ما كان يفعله بعض الصوفيّة إذا كان يحضر كلّ يوم دار المرضى والمقابر والمواضع الَّتي تقام فيها الحدود فكان يحضر دار المرضى ليشاهد أنواع بلاء اللَّه تعالى عليهم ثمّ يتأمّل في صحّته وسلامته فيشعر قلبه بنعمة الصحّة عند شعوره ببلاء الأمراض ويشكر اللَّه تعالى ، يشاهد الجناة الَّذين يقتلون وتقطع أطرافهم ويعذّبون بأنواع العذاب ليشكر اللَّه على عصمته من الجنايات ومن تلك العقوبات ويشكر اللَّه على نعمة الأمن ، ويحضر المقابر فيعلم أنّ أحبّ الأشياء إلى الموتى أن يردّوا إلى الدّنيا ولو يوما واحدا أمّا من عصى اللَّه فليتدارك وأمّا من أطاع فليزد في طاعته فإنّ يوم القيامة يوم التغابن فالمطيع مغبون إذ يرى جزاء طاعته فيقول : كنت أقدر على أكثر من هذه الطاعات فما أعظم غبني إذ ضيّعت بعض الأوقات في المباحات ، وأمّا العاصي فغبنه ظاهر فإذا شاهد المقابر وعلم أنّ أحبّ الأشياء إليهم أن يكون قد بقي لهم من العمر ما بقي له فيصرف بقيّة العمر إلى ما يشتهي أهل القبور العود لأجله ليكون ذلك معرفة لنعم اللَّه في بقيّة العمر بل في الإمهال في كلّ نفس من الأنفاس ، وإذا عرف تلك النعمة شكر بأن يصرف العمر إلى ما خلق العمر لأجله وهو التزوّد من الدّنيا للآخرة فهذا علاج هذه القلوب الغافلة الغليظة لتشعر بنعم اللَّه فعساها تشكر ، ولقد كان ربيع بن خثيم مع تمام استبصاره يستعين بهذه الطريق تأكيدا للمعرفة فكان قد حفر في داره قبرا فكان يضع غلا على عنقه وينام في لحده ثمّ يقول : ربّ ارجعون لعلَّي أعمل صالحا ثمّ يقول ويقول :
يا ربيع قد أعطيت ما سألت فاعمل قبل أن تسأل الرّجوع فلا تردّ ، وممّا ينبغي أن تعالج به القلوب البعيدة عن الشكر أن تعرف أنّ النعمة إذا لم تشكر زالت ولم تعد ، ولذلك كان الفضيل يقول : عليكم بمداومة الشكر على النعم فقلّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم . وقال بعض السلف : النعم وحشية فقيّدوها بالشكر . وفي الخبر « ما عظمت نعمة اللَّه على عبد إلا كثرت حوائج الناس إليه ، فمن تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال » [ 1 ]
وقال اللَّه سبحانه : « إنّ اللَّه لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم » ( 1 )
هامش
( 1 ) الرعد : 11 .
[ 1 ] أخرجه ابن عدي في الكامل وابن حبان في الضعفاء من حديث معاذ بن جبل بلفظ « إلا عظمت مئونة الناس عليه فمن لا يحتمل تلك المئونة - الحديث - » وهكذا أخرجه البيهقي في الشعب عن عائشة عن معاذ كما في الجامع الصغير والمغني .