تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
لا ، قال : فسورة هود ؟ قال : لا ، قال : فسورة يوسف ؟ قال : لا ، فعدّد عليه سورا ، ثمّ قال : فمعك قيمة مائة ألف دينار وأنت تشكو فأصبح وقد سري عنه . ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء وفي يده كوز ماء يشربه فقال له : عظني ، فقال : لو لم تعط هذه الشربة إلا ببذل جميع أموالك وإلا بقيت عطشان فهل كنت تعطيه ؟ قال : نعم ، فقال : ولو لم تعط إلا بملكك كلَّه فهل كنت تتركه ؟ قال : نعم ، قال : فلا تفرح بملك لا يسوي شربة ماء ، فبهذا تبيّن أنّ نعمة اللَّه على العبد في شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض كلَّها ، وإذ كانت الطباع مائلة إلى اعتداد النعمة الخاصّة نعمة دون العامّة وقد ذكرنا النعم العامّة فلنذكر إشارة وجيزة إلى النعم الخاصّة . فنقول : ما من عبد إلا ولو أمعن النظر في أحواله لرأى من اللَّه نعمة أو نعما كثيرة تخصّه لا يشاركه فيها الناس كافّة بل يشاركه عدد يسير من الناس وربّما لا يشاركه فيها أحد وذلك يعترف به كلّ عبد في ثلاثة أمور : في العقل والخلق والعلم ، أمّا العقل فما من عبد للَّه تعالى إلا وهو راض عن اللَّه في عقله يعتقد أنّه أعقل الناس ، وقلّ ما يسأل اللَّه العقل وإنّ من شرف العقل أن يفرح به الخالي عنه كما يفرح به المتّصف به فإذا كان اعتقاده أنّه أعقل الناس فواجب عليه أن يشكره لأنّه إن كان كذلك فالشكر واجب وإن لم يكن ولكنّه يعتقد أنّه كذلك فهو نعمة في حقّه فمن وضع كنزا تحت الأرض فهو يفرح به ويشكر عليه فإن أخذ الكنز من حيث لا يدري فيبقى فرحه بحسب اعتقاده ويبقى شكره لأنّه في حقّه كالباقي ، وأمّا الخلق فما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبا يكرهها وأخلاقا يذمّها ، وإنّما يذمّها من حيث إنّه يرى نفسه بريئا عنها وإلا لم يشتغل بذمّ الغير فينبغي أن يشتغل بشكر اللَّه إذا حسن خلقه وابتلي غيره بالخلق السيء ، وأمّا العلم فما من أحد إلا ويعرف من بواطن أمور نفسه وخفايا أفكاره ما هو منفرد به ولو كشف الغطاء حتّى اطَّلع عليه أحد من الخلق لا فتضح فكيف لو اطَّلع الناس كافّة فإذا لكلّ عبد علم بأمر خاصّ لا يشاركه فيه أحد من عباد اللَّه فلم لا يشكر ستر اللَّه الجميل الَّذي
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 219 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري