أو متراكمة لم يحصل بها تمام غرضك فوضعها وضعا إن بسطتها كانت لك مجرفة وأن ضممتها وثنّيتها كانت لك مغرفة وإن جمعتها كانت لك آلة للضرب ، وإذا نشرتها ثمّ قبضتها كانت لك آلة في القبض ، ثمّ خلق لها أظفارا وأسند إليها رؤس الأصابع حتّى لا تتفتّت وحتّى تلتقط بها الأشياء الدّقيقة الَّتي لا تحويها الأصابع فتأخذها برؤوس أظفارك ، ثمّ هب أنّك أخذت الطعام باليدين فمن أين يكفيك هذا ما لم يصل إلى المعدة وهي في الباطن فلا بدّ وأن يكون من الظاهر دهليز إليها حتّى يدخل الطعام منه فجعل الفم منفذا إلى المعدة مع ما فيه من الحكمة الكثيرة سوى كونه منفذا للطعام إلى المعدة ، ثمّ إن وضعت الطعام في الفم وهو قطعة واحدة فلا يتيسّر ابتلاعه فتحتاج إلى طاحونة تطحن بها الطعام فخلق لك اللَّحيين من عظمين وركب فيها الأسنان وطبق الأضراس من العليا على السفلى لتطحن بهما الطعام طحنا ، ثمّ الطعام تارة يحتاج إلى الكسر وتارة إلى القطع ، ثمّ يحتاج إلى الطحن بعد ذلك ، فقسّم الأسنان إلى عريضة طواحين كالأضراس ، وإلى حادّة قواطع كالرّباعيّات وإلى ما يصلح للكسر كالأنياب ، ثمّ جعل مفصل اللَّحيين متخلخلا بحيث يتقدّم الفكّ الأسفل ويتأخّر حتّى يدور على الفكّ الأعلى دوران الرّحى ولولاه لما تيسّر إلا ضرب أحدهما على الآخر مثل تصفيق اليدين مثلا وبذلك لا يتمّ الطحن فجعل اللَّحى الأسفل متحرّكا حركة دوريّة واللَّحى الأعلى ثابتا لا يتحرّك ، فانظر إلى عجيب صنع اللَّه فإن كلّ رحى تكون صنعة الخلق فيثبت منها الحجر الأسفل ويدور الأعلى إلا هذه الرّحى الَّتي صنعها اللَّه إذ يدور منها الأسفل على الأعلى ، فسبحانه ما أعظم شأنه وأتمّ برهانه وأوسع امتنانه ، ثمّ هب أنّك وضعت الطعام في فضاء الفم فكيف يتحرّك الطعام إلى ما تحت الأسنان أو كيف تستجرّه الأسنان إلى نفسها ، وكيف يتصرّف اليد في داخل الفم فانظر كيف أنعم اللَّه تعالى عليك بخلق اللَّسان فإنّه يطوف في جوانب الفم ويرد الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة كالمجرفة الَّتي ترد الطعام إلى الرّحى هذا مع ما فيه من فائدة الذوق وعجائب قوّة النطق الَّتي لسنا نطنب بذكرها ، ثمّ هب أنّك قطعت الطعام وطحنته
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 198
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩٨