خلق النبات وهو أكمل وجودا من الحجر والمدر والحديد والنحاس وسائر الجواهر الَّتي لا تنمي ولا تغذّي فإنّ النبات خلق فيه قوّة بها يجتذب الغذاء إلى نفسه من جهة أصله وعروقه الَّتي في الأرض وهي له آلات بها يجتذب الغذاء وهي العروق الدّقيقة الَّتي تراها في كلّ ورقة ثمّ تغلظ أصولها ، ثمّ تتشعّب ولا تزال تستدقّ وتتشعّب إلى عروق شعريّة تنبسط في أجزاء الورقة حتّى تغيب عن البصر إلا أنّ النبات مع هذا الكمال ناقص فإنّه إذا أعوزه غذاء يساق إليه ويماسّ أصله جفّ ويبس ولم يمكنه طلب الغذاء من موضع آخر فإنّ الطلب إنّما يكون بمعرفة المطلوب وبالانتقال إليه ، والنبات عاجز عن ذلك ، فمن نعمة اللَّه عليك أن خلق لك آلة الإحساس وآلة الحركة في طلب الغذاء فانظر إلى ترتيب حكمة اللَّه في خلق الحواسّ الخمس الَّتي هي آلة الإدراك فأوّلها حاسّة اللَّمس وإنّما خلقت لك حتّى إذا مسّتك نار محرقة أو سيف جارح تحسّ به فتهرب منه ، وهذا أوّل حسّ يخلق للحيوان ولا يتصوّر حيوان إلا وأن يكون له هذا الحسّ لأنّه إن لم يحسّ أصلا فليس بحيوان ، وأنقص درجات الحسّ أن يحسّ بما يلاصقه ويماسّه فإنّ الإحساس بما يبعد منه إحساس أتمّ لا محالة ، وهذا الحسّ موجود لكلّ حيوان حتّى الدّودة الَّتي في الطين فإنّها إذا غرز فيها إبرة انقبضت للهرب لا كالنبات فإنّ النبات يقطع فلا ينقبض إذ لا يحسّ بالقطع إلا أنّك لو لم يخلق لك إلا هذا الحسّ لكنت ناقصا كالدّودة ولا تقدر على طلب الغذاء من حيث يبعد عنك بل ما يماسّ بدنك فتحسّ به فتجذبه إلى نفسك فقطَّ فافتقرت إلى حسّ تدرك به ما بعد عنك فخلق لك الشمّ إلا أنّك تدرك به الرّائحة ولا تدري أنّها جاءت من أيّ ناحية فتحتاج أن تطوف كثيرا من الجوانب ، فربّما تعثر على الغذاء الَّذي شممت ريحه وربّما لم تعثر فتكون في غاية النقصان لو لم يخلق لك إلا هذا ، فخلق لك البصر لتدرك به ما بعد عنك وتدرك جهته فتقصد تلك الجهة بعينها إلا أنّه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصا إذ لا تدرك بهذا ما وراء الجدران والحجب فتبصر غذاء ليس بينك وبينه حجاب وتبصر عدوّا لا حجاب بينك وبينه وأمّا ما بينك وبينه حجاب فلا تبصره
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 193
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩٣