يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآة الصقيلة فإن تراكمت ظلمة الشهوات صارت رينا كما يصير بخار النفس في وجه المرآة عند تراكمه خبثا كما قال تعالى : « كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون » ( 1 ) فإذا تراكم الرّين صار طبعا فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم وطال زمانه غاص في جرم الحديد وأفسده وصار لا يقبل التصقيل بعده وصار كالمطبوع من الخبث ولا يكفي في تدارك اتّباع الشهوات تركها في المستقبل بل لا بدّ من محو تلك الأريان الَّتي انطبعت في القلب كما لا يكفي في ظهور الصور في المرآة قطع الأنفاس والبخارات المسوّدة لوجهها في المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الأريان ، وكما ترتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع إليه نور من الطاعات وترك الشهوات ، فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة وإليه الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « أنبع السيّئة الحسنة تمحها » [ 1 ] فإذن لا يستغني العبد في حال من أحواله عن محو آثار السيّئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضادّ آثارها آثار تلك السيّئات . هذا في قلب حصل أوّلا صفاؤه وجلاؤه ثمّ أظلم بأسباب عارضة فأمّا التصقيل الأوّل ففيه يطول الصقل إذ ليس شغل الصقل في إزالة الصداء عن المرآة كشغله في عمل أصل المرآة ، فهذه أشغال طويلة لا تنقطع أصلا وكلّ ذلك يرجع إلى التوبة ، فأمّا قولك إنّ هذا لا يسمّى واجبا بل هو فضل وطلب كمال ، فاعلم أنّ الواجب له معنيان أحدهما ما يدخل في فتوى الشرع ويشترك فيه كافّة الخلق وهو القدر الَّذي لو اشتغل كافّة الخلق به لم يخرب العالم ولو كلَّف الناس كلَّهم أن يتّقوا اللَّه حقّ تقاته لتركوا المعائش ورفضوا الدّنيا بالكلَّيّة ثمّ يؤدّي ذلك إلى بطلان التقوى بالكلَّيّة فإنّه مهما فسدت المعائش لم يتفرّغ أحد للتقوى بل شغل الحياكة والحراثة والخبز يستغرق جميع العمر من كلّ واحد فيما يحتاج إليه فجميع هذه الدّرجات ليست واجبة بهذا الاعتبار . والواجب الثاني
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 19
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩
هامش
( 1 ) المطففين : 14 .
[ 1 ] رواه الترمذي بزيادة في أوله وزيادة في آخره وقال حسن صحيح . وقد تقدم في كتاب رياضة النفس .