الأخبار في كتاب العلم . * ( ان وجوب التوبة عام ) * * ( في الأشخاص والأحوال فلا ينفك عنه أحد البتة ) * اعلم أنّ ظاهر الكتاب قد دل على هذا إذ قال تعالى : « وتوبوا إلى اللَّه جميعا » ( 1 ) فعمّم الخطاب ، ونور البصيرة أيضا يرشد إليه إذ معنى التّوبة الرّجوع عن الطريق المبعد عن اللَّه تعالى المقرّب إلى الشيطان ولا يتصوّر ذلك إلا من عاقل ولا يكمل غريزة العقل إلا بعد كمال غريزة الشهوة والغضب وسائر الصفات المذمومة الَّتي هي وسائل الشيطان إلى إغواء الإنسان إذ كمال العقل إنّما يكون عند مقاربة الأربعين وأصله إنّما يتمّ عند مراهقة البلوغ ومباديه تظهر بعد سبع سنين ، والشهوات جنود الشيطان والعقول جنود الملائكة ، وإذا اجتمعا قام القتال بينهما بالضرورة ، إذ لا يثبت أحدهما للآخر فإنّهما ضدّان فالتطارد بينهما كالتطارد بين اللَّيل والنهار والنور والظلمة ، ومهما غلب أحدهما أزعج الآخر بالضرورة ، وإذا كانت الشهوات تكمل في الصبا والشباب قبل كمال العقل فقد سبق جند الشيطان واستولى على المكان ووقع للقلب به إنس ، وألف لا محالة مقتضيات الشهوات بالعادة وغلب ذلك عليه وتعسّر عليه النزوع عنه ، ثمّ يلوح العقل الَّذي هو حزب اللَّه وجنده ومنقذ أوليائه من أيدي أعدائه شيئا فشيئا على التدريج ، فإن لم يقو ولم يكمل سلمت مملكة القلب للشيطان وأنجز اللَّعين موعوده حيث قال : « لأحتنكنّ ذريّته إلا قليلا » ( 2 ) وإن قوي العقل وكمل كان أوّل شغله قمع جنود الشيطان بكسر الشهوات ومفارقة العادات وردّ الطبع على سبيل القهر والغلبة إلى العبادات ولا معنى للتوبة إلا هذا وهو الرّجوع عن طريق دليله الشهوة وخفيره الشيطان [ 1 ] إلى طريق اللَّه تعالى وليس في الوجود آدميّ إلا وشهوته سابقة على عقله وغريزته الَّتي هي عدّة للشيطان متقدّمة على غريزته الَّتي هي عدّة الملائكة فكان الرّجوع عمّا سبق إليه على مساعدة الشهوات
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 16
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦
هامش
( 1 ) النور : 31 .
( 2 ) الاسراء : 65 .
[ 1 ] الخفير : المجار والحافظ والمحامي .