تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧

ضروريّا في حقّ كلّ إنسان فإذن كلّ من بلغ كافرا جاهلا فعليه التوبة من كفره وجهله ، فإن بلغ مسلما تبعا لأبويه غافلا عن حقيقة إسلامه فعليه التوبة عن غفلته بتفهّم معنى الإسلام فإنّه لا يغني عنه إسلام أبويه شيئا ما لم يسلم بنفسه ، فإن فهم ذلك فعليه الرّجوع عن عادته وإلفه للاسترسال وراء الشهوات من غير صارف بالرّجوع إلى قالب حدود اللَّه في المنع والإطلاق والانكفاف والاسترسال وهو من أشقّ أبواب التوبة وفيه هلك الأكثرون إذ عجزوا عنه ، وكلّ هذا رجوع وتوبة فدلّ أن التوبة فرض عين في حقّ كلّ شخص لا يتصوّر أن يستغني عنها أحد من البشر كما لم يستغن عنها آدم ، فخلقة الولد لا تتّسع لما لم تتّسع له خلقة الوالد أصلا . وأمّا بيان وجوبها على الدّوام وفي كلّ حال فهو أنّ كلّ بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهمّ بالذّنوب بالقلب ، فإن خلا عن الهمّ فلا يخلو عن وسواس الشيطان بايراد الخواطر المتفرقّة المذهلة عن ذكر اللَّه ، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم باللَّه وبصفاته وآثاره ، وكلّ ذلك نقص وله أسباب وترك أسبابه بتشاغل أضدادها رجوع عن طريق إلى ضدّه ، والمراد بالتوبة الرّجوع ولا يتصوّر الخلوّ في حقّ الآدميّ عن هذا النقص وإنّما يتفاوتون في المقادير ، فأمّا الأصل فلا بدّ منه ولهذا قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « إنّه ليغان على قلبي [ 1 ] حتّى أستغفر اللَّه تعالى في اليوم واللَّيلة سبعين مرّة » [ 2 ] ولذلك أكرمه اللَّه بأن قال : « ليغفر لك اللَّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر » ( 1 ) وإذا

هامش
( 1 ) الفتح : 2 .
[ 1 ] قال الجزري : الغين : الغيم وغينت السماء تغان إذا أطبق عليها الغيم ، وقيل : الغين شجر ملتف . أراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر لان قلبه أبدا كان مشغولا باللَّه تعالى ، فان عرض له وقتا ما عارض بشرى يشغله من أمور الأمة والملة ومصالحهما عد ذلك ذنبا وتقصيرا فيفزع إلى الاستغفار . [ 2 ] أخرجه مسلم ج 8 ص 72 من حديث الأغر المزني إلا أن فيه « في اليوم مائة مرة » كذا عند أبي داود ، ولكن في النهاية الأثيرية كما في المتن .