وجه اللَّه تعالى وسعادة لقائه ، وبالجملة سعادة الآخرة الَّتي لا انقضاء لها فإنّها لا تطلب ليتوصّل بها إلى غاية أخرى مقصودة وراءها بل تطلب لذاتها : الثاني ما يقصد لغيره ولا غرض أصلا في ذاته كالدّرهم والدّنانير فإنّ الحاجات لو كانت لا تنقضي بها لكانت هي والحصى بمثابة واحدة ولكن لمّا كانت وسيلة إلى اللَّذات سريعة الإيصال إليها صارت عند الجهّال محبوبة في نفسها حتّى يجمعوها ويكنزوها ويتصارفوا عليها بالرّبا ويظنّون أنّها مقصودة ، ومثال هؤلاء مثال من يحبّ شخصا فيحبّ بسببه رسوله الَّذي يجمع بينه وبينه ، ثمّ ينسى في محبّة الرّسول محبّة الأصل فيعرض عنه طول عمره ، ولا يزال مشغولا بتعهّد الرّسول ومراعاته وتفقّده وهو غاية الجهل والضلال ، والثالث ما يقصد لذاته ولغيره كالصحّة والسلامة فإنّها تقصد ليقدر بسببها على الفكر والذكر الموصلين إلى لقاء اللَّه تعالى أو ليتوصّل بها إلى استيفاء لذّات الدّنيا وتقصد أيضا لذاتها فإن الإنسان وإن استغنى عن الشيء الَّذي تراد سلامة الرّجل لأجله فيريد أيضا سلامة الرّجل من حيث أنّها سلامة فإذن المؤثّر لذاته فقطَّ هو الخير والنعمة تحقيقا وما يؤثّر لذاته ولغيره أيضا فهو نعمة ولكن دون الأوّل . فأمّا ما لا يؤثّر إلا لغيره كالنقدين فلا يوصفان في أنفسهما من حيث هما جوهران بأنّهما نعمة بل من حيث هما وسيلتان فيكونان نعمة في حقّ من يقصد أمرا ليس يمكنه أن يتوصّل إليه إلا بهما فلو كان مقصده العلم والعبادة ومعه الكفاية الَّتي هي ضرورة حياته استوى عنده الذّهب والمدر ، وكان وجودهما وعدمهما عنده بمثابة واحدة ، بل ربّما يشغله وجودهما عن الفكر والعبادة فيكونان بلاء في حقّه ولا يكونان نعمة .
القسمة الرّابعة :
اعلم أنّ الخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى نافع وجميل ولذيذ فاللَّذيذ هو الَّذي تدرك راحته في الحال ، والنافع هو الَّذي يفيد في المآل ، والجميل هو الَّذي يستحسن في سائر الأحوال ، والشرور أيضا تنقسم إلى ضارّ وقبيح ومؤلم ، وكلّ واحد من القسمين ضربان مطلق ومقيّد فالمطلق هو الَّذي اجتمع فيه الأوصاف الثلاثة إمّا في الخير فكالعلم والحكمة فإنّها نافعة وجميلة ولذيذة عند أهل العلم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 177
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٧