تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩

أبد الآباد إذا رضي بالخسيس الفاني في أقرب الآماد فهو مصاب في عقله محروم لشقاوته وإدباره ، وأقلّ أمر فيه أنّ العلم والعقل لا يحتاج إلى أعوان وحفظة بخلاف المال إذ العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والعلم يزيد بالإنفاق والمال ينقص بالإنفاق ، والمال يسرق والولاية يعزل عنها والعلم لا يمتدّ إليه أيدي السرّاق بالأخذ ولا أيدي السلاطين بالعزل فيكون صاحبه في روح الأمن أبدا وصاحب المال والجاه في كرب الخوف أبدا ، ثمّ العلم نافع ولذيذ وجميل في كلّ حال أبدا ، والمال تارة يجذب إلى الهلاك وتارة يجذب إلى النجاة ولذلك ذمّ اللَّه تعالى المال في القرآن في مواضع وإن سمّاه خيرا في مواضع ، وأمّا قصور أكثر الخلق عن إدراك لذّة العلم فإمّا لعدم الذّوق فمن لم يذق لم يعرف ولم يشتق إذ الشوق تبع الذّوق ، وإمّا لفساد أمزجتهم ومرض قلوبهم بسبب اتّباع الشهوات كالمريض الَّذي لا يدرك حلاوة العسل ويراه مرّا . وإمّا لقصور فطنتهم إذ لم تخلق لهم بعد الصفة الَّتي بها يستلذّ العلم كالطفل الرّضيع الَّذي لا يدرك لذّة العسل والطيور السمان ولا يستلذّ إلا باللَّبن وذلك لا يدلّ على أنّها ليست لذيذة ولا استطابته للَّبن تدلّ على أنّه ألذّ الأشياء ، فالقاصرون عن درك لذّة العلم والحكمة ثلاثة إمّا من لم يحي بعد باطنه كالطفل ، وإمّا من مات بعد الحياة باتّباع الشهوات ، وإمّا من مرض بسبب اتّباع الشهوات وقوله تعالى : « في قلوبهم مرض » ( 1 ) إشارة إلى مرض القلوب لفقدان العقول وقوله : « لينذر من كان حيّا » ( 2 ) إشارة إلى من لم يمت حياته الباطنة وكلّ حيّ بالبدن ميّت بالقلب فهو عند اللَّه من الموتى وإن كان عند الجهّال من الأحياء ، ولذلك كان الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون وإن كانوا موتى بالأبدان ، الثانية : لذّة يشارك الإنسان فيها بعض الحيوانات كلذّة الرّئاسة والغلبة والاستيلاء وذلك موجود في الأسد والنمر وبعض الحيوانات ، والثالثة ما يشارك فيها سائر الحيوانات كلذّة البطن والفرج وهذه أكثرها وجودا وهي أخسّها ، ولذلك اشترك فيها كلّ ما دبّ ودرج حتّى الدّيدان والحشرات ومن جاوز هذه

هامش
( 1 ) البقرة : 10 .
( 2 ) يس : 70 .