« خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهنّ يتنزّل الأمر بينهنّ لتعلموا أنّ اللَّه على كلّ شيء قدير . وأنّ اللَّه قد أحاط بكلّ شيء علما » ( 1 ) وهذه أمور لا يعلم تأويلها إلا اللَّه والرّاسخون في العلم وعبّر ابن عبّاس - رضي اللَّه عنه - عن اختصاص الرّاسخين في العلم بعلوم لا يحتملها أفهام الخلق حيث قرأ قوله تعالى : « يتنزّل الأمر بينهنّ » فقال : لو ذكرت ما أعرفه من معنى هذه الآية لرجمتموني - وفي لفظ آخر - لقلتم : إنّه كافر . ولنقصر على هذا القدر فقد خرج عنان الكلام عن قبضة الاختيار وامتزج بعلم المعاملة ما ليس منه . * ( الرّكن الثاني من أركان الشكر ما عليه الشكر وهو النّعمة ) * ولنذكر فيه حقيقة النعمة وأقسامها ودرجاتها وأصنافها ومجامعها فيما يخصّ ويعمّ فإنّ إحصاء نعم اللَّه على عباده خارج عن مقدور البشر كما قال تعالى : « وإن تعدّوا نعمة اللَّه لا تحصوها » ( 2 ) فنقدّم أمورا كلَّيّة تجري مجرى القوانين في معرفة النعم ثمّ نشتغل بذكر الآحاد . * ( بيان حقيقة النعمة وأقسامها ) * اعلم أنّ كلّ خير ولذّة وسعادة بل كلّ مطلوب ومؤثّر فإنّه يسمّى نعمة ولكن النعمة الحقيقيّة هي السعادة الأخرويّة وتسمية ما عداها نعمة وسعادة إمّا غلط وإمّا مجاز كتسمية السعادة الدّنياويّة الَّتي لا تعين على الآخرة نعمة ، فإنّ دلك غلط محض وقد يكون اسم النعمة للشيء صدقا ولكن يكون إطلاقه على السعادة الأخرويّة أصدق فكلّ سبب يوصل إلى سعادة الآخرة ويعين عليها إمّا بواسطة واحدة أو بوسائط فإنّ تسميته نعمة صحيحة وصدق لأجل أنّه يفضي إلى النعمة الحقيقيّة والأسباب المعينة واللَّذات المسمّاة نعمة نشرحها بتقسيمات : القسمة الأولى : اعلم أنّ الأمور كلَّها بالإضافة إلينا تنقسم إلى ما هو نافع في الدّنيا والآخرة جميعا كالعلم وحسن الخلق ، وإلى ما هو ضارّ فيهما جميعا كالجهل وسوء الخلق ، وإلى ما ينفع في الحال ويضرّ في المآل كالتلذّذ باتّباع الشهوات ، وإلى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 175
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٥
هامش
( 1 ) الطلاق : 12 .
( 2 ) إبراهيم : 34 .