داعيتك لتخصيص الفعل المكروه بالشخص المكروه والفعل المحبوب بالشخص . المحبوب إتماما للعدل ، فإنّ عدله تارة يتمّ بأمور لا مدخل لك فيها ، وتارة يتمّ بك فإنّك أيضا من أفعاله فداعيتك وقدرتك وعلمك وعملك وسائر أسباب حركاتك في التعبير هو فعله الَّذي رتّبه بالعدل ترتيبا تصدر منه الأفعال المعتدلة إلا أنّك لا ترى إلا نفسك فتظنّ أنّ ما يظهر عليك في عالم الشهادة ليس له سبب من عالم الغيب والملكوت فلذلك تضيفه إلى نفسك ، وإنّما أنت مثل الصبيّ الَّذي ينظر ليلا إلى لعب المشعبذ الَّذي يخرج صورا من وراء حجاب ترقص وتزعق وتقوم وتقعد وهي مؤلَّفة من خرق لا تتحرّك بأنفسها وإنّما تحرّكها خيوط شعريّة دقيقة لا تظهر في ظلام اللَّيل ورؤسها في يد المشعبذ ، وهو محتجب عن أبصار الصبيان فيفرحون ويتعجّبون لظنّهم أنّ تلك الخرق ترقص وتلعب وتقوم وتقعد ، وأمّا العقلاء فإنّهم يعلمون أنّ ذلك تحريك وليس بتحرّك ولكنّهم ربّما لا يعرفون تفصيله ، والَّذي يعلم بعض تفصيله لا يعلمه كما يعلمه المشعبذ الَّذي الأمر إليه والجاذبة بيده ، فكذلك صبيان أهل الدّنيا - والخلق كلَّهم صبيان إلا العلماء - ينظرون إلى هذه الأشخاص فيظنّون . أنّها المتحرّكة فيحيلون الحركة عليها ، والعلماء يعلمون أنّهم محرّكون إلا أنّهم لا يعرفون كيفيّة التحريك وهم الأكثرون إلا العارفون والعلماء الرّاسخون [ 1 ] فإنّهم أدركوا بحدّة أبصارهم خيوطا دقيقة عنكبوتيّة بل أدقّ منها بكثير معلَّقة من السماء متشبّثة الأطراف بأشخاص أهل الأرض لا تدرك تلك الخيوط لدقّتها بهذه الأبصار الظاهرة ثمّ شاهدوا رؤس تلك الخيوط في مناطات لها هي معلَّقة بها وشاهدوا لتلك المناطات مقابض هي في أيدي الملائكة المحرّكين للسماوات وشاهدوا أبصار ملائكة السّماوات مصروفة إلى حملة العرش ينتظرون منهم ما ينزل إليهم من الأمر من حضرة الرّبوبيّة كي لا يعصوا اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وعبّر عن هذه المكاشفات في القرآن فقيل : « وفي السماء رزقكم وما توعدون » ( 1 ) وعبّر عن انتظار ملائكة السماوات لما ينزل إليهم من الأمر والقدر فقيل :
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 174
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٤
هامش
( 1 ) الذاريات : 21 .
[ 1 ] كذا و « إلا » بمعنى « غير » .