والحكمة وإمّا في الشرّ فكالجهل فإنّه ضارّ وقبيح ومؤلم وإنّما يحسّ الجاهل بألم جهله إذا عرف أنّه جاهل وذلك بأن يرى غيره عالما ويرى نفسه جاهلا فيدرك ألم النقص فتنبعث منه شهوة العلم للذّته ثمّ قد يمنعه الحسد والكبر والشهوات اللَّذيذة عن التعلَّم فيتجاذبه متضادّان فيعظم ألمه ، فإنّه إن ترك التعلَّم تألَّم بالجهل ودرك النقصان ، وإن اشتغل بالتعلَّم تألَّم بترك الشهوات أو بترك الكبر وذلّ التعلَّم .
ومثل هذا الشخص لا يزال في عذاب دائم لا محالة ، والضرب الثاني مقيّد وهو الَّذي جمع بعض هذه الأوصاف دون بعض فربّ نافع مؤلم كقطع الأصبع المتأكلة والسلعة الخارجة من البدن وربّ نافع قبيح كالحمق فإنّه بالإضافة إلى بعض الأحوال نافع وقد قيل : استراح من لا عقل له فإنّه لا يهتمّ بالعاقبة فيستريح في الحال إلى أن يحين وقت هلاكه وربّ نافع من وجه ضارّ من وجه كإلقاء المال في البحر عند خوف الغرق فإنّه ضارّ للمال ونافع للنفس في نجاتها ، والنافع قسمان ضروريّ كالإيمان وحسن الخلق في الإيصال إلى سعادة الآخرة وأعني بهما العلم والعمل إذ لا يقوم مقامهما البتّة غيرهما وإلى ما لا يكون ضروريّا كالسكنجبين مثلا في تسكين الصفراء ، فإنّه قد يمكن تسكينها أيضا بما يقوم مقامه .
القسمة الخامسة
اعلم أنّ النعمة يعبّر بها عن كلّ لذيذ واللَّذات بالإضافة إلى الإنسان من حيث اختصاصه بها أو مشاركته لغيره ثلاثة أنواع عقليّة وبدنيّة مشتركة مع بعض الحيوانات وبدنيّة مشتركة مع جميع الحيوانات ، أمّا العقليّة فكلذّة العلم والحكمة إذ ليس يستلذّهما السمع والبصر والشمّ والبطن ولا الفرج ، وإنّما يستلذّهما القلب لاختصاصه بصفة يعبّر عنها بالعقل وهذه أقلّ اللَّذّات وجودا وهي أشرفها ، أمّا قلَّتها فلأنّ العلم لا يستلذّه إلا عالم والحكمة لا يستلذّها إلا حكيم وما أقلّ أهل العلم والحكمة وما أكثر المتسمّين باسمهم والمترسّمين برسومهم ، وأمّا شرفها فلأنّها لازمة لا تزول أبدا لا في الدّنيا ولا في الآخرة ودائمة لا تملّ ، فالطعام يشبع منه فيملّ وشهوة الوقاع يفرغ عنها فتستثقل والعلم والحكمة قطَّ لا يتصورّ أن يملّ ويستثقل ، ومن قدر على الشريف الباقي
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 178
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٨