تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢

التفصيل المتمادي إلى غير نهاية ، وقيل : إنّ شيئا من ذلك ليس خارجا عن القضاء والقدر ، فخطر لبعض العباد أنّ القسمة لما ذا اقتضت هذا التفصيل وكيف انتظم العدل مع هذا التفاوت والتفضيل ، وكان بعضهم لقصوره لا يطيق ملاحظة كنه هذا الأمر والاحتواء على مجامعه فالجموا عمّا لم يطيقوا خوض غمرته بلجام المنع وقيل لهم : اسكتوا فما لهذا خلقتم لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ، وامتلأت مشكاة بعضهم نورا مقتبسا من نور اللَّه تعالى في السماوات والأرض وكان زيتهم أوّلا صافيا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار فمسّته نار فاشتعل نور على نور فأشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربّها فأدركوا الأمور كما هي عليه فقيل لهم : تأدّبوا بآداب اللَّه واسكتوا « وإذا ذكر القدر فأمسكوا » ( 1 ) فإنّ للحيطان آذانا وحواليكم ضعفاء الأبصار فسيروا بسير أضعفكم ولا تكشفوا حجاب الشمس لأبصار الخفافيش فيكون ذلك سبب هلاكهم فتخلَّقوا بأخلاق اللَّه تعالى وأنزلوا إلى السماء الدّنيا من منتهى علوّ كم ليأنس بكم الضعفاء ويقتبسوا من بقايا أنواركم المشرقة من وراء حجابكم كما يقتبس الخفافيش من بقايا نور الشّمس والكواكب في جنح اللَّيل فيحيى حياة يحتملها شخصه وحاله وإن كان لا يحيى به حياة المتردّدين في كمال نور الشمس وكونوا كمن قيل فيهم : شربنا شرابا طيّبا عند طيّب * كذاك شراب الطيّبين يطيب شربنا وأهرقنا على الأرض فضله * وللأرض من كأس الكرام نصيب فهكذا كان أوّل هذا الأمر وآخره ولا تفهمه إلا إذا كنت أهلا له ، وإذا كنت أهلا له فتحت العين وأبصرت ، فلا تحتاج إلى قائد يقودك والأعمى يمكن أن يقاد ولكن إلى حدّ ما . فإذا ضاق الطريق وصار أحدّ من السيف وأدقّ من الشعر قدر الطائر على أن يطير عليه ولم يقدر على أن يستجرّ وراءه أعمى وإذا دقّ المجال ولطف لطف الماء مثلا ولم يكن العبور إلا بالسباحة فقد يقدر الماهر بصنعة السباحة أن

هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود وابن عدي عنه وعن ثوبان وعمر بسند حسن كما في الجامع الصغير .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 172 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري