تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
مطابق ، فالإيمان كالإنسان وفقد شهادة التوحيد يوجب البطلان بالكلَّيّة كفقد الرّوح والَّذي ليس له إلا شهادة التوحيد والرّسالة هو كإنسان مقطوع الأطراف مفقوء العينين فاقد لجميع أعضائه الظاهرة والباطنة لا أصل الرّوح وكما أنّ من هذا حاله قريب من أن يموت فتزايله الرّوح الضعيفة المنفردة الَّتي تخلف عنها الأعضاء الَّتي تمدّها وتقوّيها ، فكذلك من ليس له إلا أصل الإيمان وهو مقصّر في الأعمال قريب من أن تنقلع شجرة إيمانه إذا صدمتها الرّياح العاصفة المحركة للإيمان في مقدّمة قدوم ملك الموت ووروده ، فكلّ إيمان لم يثبت في النّفس أصله ولم تنتشر في الأعمال فروعه لم يثبت على عواصف الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة إلا ما سقي بماء الطاعات على توالي الأيّام والساعات حتّى رسخ وثبت . وقول العاصي للمطيع : إنّي مؤمن كما أنّك مؤمن كقول شجرة القرع لشجرة الصنوبر : أنا شجرة وأنت شجرة وما أحسن جواب شجرة الصّنوبر إذ قالت ستعرفين اغترارك بشمول الاسم إذا عصفت رياح الخريف فعند ذلك تنقلع أصولك وتتناثر أوراقك وينكشف غرورك بالمشاركة في اسم الشجرة مع الغفلة عن أسباب ثبوت الأشجار ، وسوف ترى « إذا انجلى الغبار * أفرس تحتك أم حمار » فهذا أمر يظهر عند الخاتمة وإنّما تقطَّعت نياط العارفين خوفا من دواعي الموت ومقدّماته الهائلة الَّتي لا يثبت عليها إلا الأقلَّون فالعاصي إذا كان لا يخاف الخلود في النّار بسبب معصيته كالصحيح المنهمك في الشهوات المضرّة إذا كان لا يخاف الموت بسبب صحّته وأنّ الموت غالبا لا يقع فجأة فيقال له : الصحيح يخاف المرض ثمّ إذا مرض خاف الموت ، فكذلك العاصي يخاف سوء الخاتمة ثمّ إذا ختم له بالسوء وجب الخلود في النار فالمعاصي للإيمان كالمأكولات المضرّة للأبدان فلا تزال تجتمع في الباطن فتغيّر مزاج الأخلاط وهو لا يشعر بها إلى أن يفسد المزاج فيمرض دفعة ثمّ يموت دفعة ، فكذلك المعاصي فإن كان الخائف من الهلاك في هذه الدّنيا المنقضية يجب عليه ترك السموم وما يضرّه من المأكولات في كلّ حال وعلى الفور فالخائف من هلاك الأبد أولى بأن يجب عليه ذلك وإن كان متناول السمّ إذا ندم يجب عليه أن يتقيّأ ويرجع