بخيلا وقال قائلون : البخيل هو الَّذي يستصعب العطيّة ، وهو أيضا قاصر فإنّه إن أريد به أنّه يستصعب كلّ عطيّة فكم من بخيل لا يستصعب العطيّة القليلة كالحبّة وما يقرب منها ويستصعب ما فوقها وإن أريد به أنّه يستصعب بعض العطايا فما من جواد إلا وقد يستصعب بعض العطايا وهو ما يستغرق جميع ماله أو المال العظيم وهذا لا يوجب الحكم بالبخل . وكذلك تكلَّموا في الجود فقيل : الجود عطاء بلا منّ وإسعاف من غير رويّة ، وقيل : الجود عطاء من غير مسألة على رؤية التقليل ، وقيل : الجود السرور بالسائل والفرح بالعطاء بما أمكن ، وقيل : الجود عطاء على رؤية أنّ المال للَّه تعالى والعبد للَّه تعالى فيعطي عبد اللَّه مال اللَّه على غير رؤية الفقر ، وقيل : من أعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب السخاء ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شيئا فهو صاحب جود ، ومن قاسى الضرّ وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار ، ومن لم يبذل شيئا فهو صاحب بخل ، وجملة هذه الكلمات غير محيطة بحقيقة البخل والجود بل نقول : المال خلق لحكمة ومقصود وهو صلاحه لحاجات الخلق ويمكن إمساكه عن الصرف إلى ما خلق للصرف إليه ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه ، ويمكن التصرّف فيه بالعدل وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ ويبذل حيث يجب البذل ، فالإمساك حيث يجب البذل بخل ، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير ، وبينهما وسط وهو المحمود ، وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه إذ لم يؤمر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إلا بالسخاء ، وقيل له : « ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط » ( 1 ) وقال تعالى : « والَّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما » ( 2 ) فالجود وسط بين الإقتار والإسراف وبين البسط والقبض وهو أن يقدّر بذله وإمساكه بقدر الواجب ولا يكفي أن يفعل ذلك بجوارحه ما لم يكن قلبه طيّبا به غير منازع له فيه فإن بذل في محلّ وجوب البذل ونفسه تنازعه وهو يصابرها فهو متسخّ وليس بسخيّ بل ينبغي أن لا يكون لقلبه علاقة مع المال
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 83
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٨٣
هامش
( 1 ) الاسراء : 32 .
( 2 ) الفرقان : 67 .