تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
الثواب ليكون رافعا لدرجاته في الآخرة فإمساك المال عن هذا الغرض بحل عند الأكياس وليس ببخل عند عوام الخلق وذلك لأنّ نظر العوام مقصور على حظوظ الدّنيا فيرون إمساكه لدفع نوائب الزّمان مهمّا وربّما يظهر عند العوام أيضا سمة البخل عليه إن كان في جواره محتاج فمنعه وقال : قد أدّيت الزّكاة الواجبة وليس عليّ غيرها ويختلف استقباح ذلك باختلاف مقدار ماله وباختلاف شدّة حاجة المحتاج وصلاح دينه واستحقاقه ، فمن أدّى واجب الشرع وواجب المروّة اللائقة به فقد تبرّأ من البخل ، نعم لا يتّصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدّرجات ، وإذا اتّسعت نفسه لبذل المال حيث لا يوجبه الشرع ولا تتوجّه إليه الملامة في العادة فهو جواد بقدر ما تتّسع له نفسه من قليل أو كثير ودرجات ذلك لا تحصر وبعض الناس أجود من بعض ، فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة ، والمروّة هو الجود ولكن بشرط أن يكون عن طيبة نفس ولا يكون عن طمع ورجاء خدمة أو مكافأة أو شكر أو ثناء فإن من طمع في الشكر والثناء فهو بيّاع وليس بجواد فإنّه يشتري المدح بماله والمدح لذيذ وهو مقصود في نفسه والجود هو بذل الشيء من غير عوض ، هذا هو الحقيقة ولا يتصوّر ذلك إلا من اللَّه تعالى فأمّا الآدميّ فاسم الجواد عليه مجاز إذ لا يبذل الشيء إلا لغرض ولكن إذا لم يكن غرضه إلا الثواب في الآخرة أو اكتساب فضيلة الجود وتطهير النفس عن رذالة البخل فيسمّى جوادا فإن كان الباعث عليه الخوف من الهجاء مثلا أو من ملامة الخلق أو ما يتوقّعه من نفع يناله من المنعم عليه فكلّ ذلك ليس من الجود لأنّه مضطرّ إليه بهذه البواعث وهي أعواض معجّلة له عليه فهو معتاض لا جواد كما روي عن بعض المتعبّدات أنّها وقفت على حبّان بن هلال وهو جالس مع أصحابه فقالت : ما السخاء عندكم ؟ قالوا : العطاء والبذل والإيثار ، قالت : هذا السخاء في الدّنيا فما السخاء في الدّين ؟ قالوا : أن نعبد اللَّه تعالى سخيّة بها أنفسنا غير مكرهة ، قالت : فتريدون على ذلك أجرا ؟ قالوا : نعم ، قالت : ولم ؟ قالوا : لأنّ اللَّه وعدنا بالحسنة عشر أمثالها ، قالت : سبحان اللَّه فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 85 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري