تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
وعن بعض الصوفيّة قال : كنّا بطرسوس فاجتمعنا جماعة وخرجنا إلى باب الجهاد فتبعنا كلب من البلد فلمّا بلغنا باب الجهاد إذا نحن بدابّة ميتة فصعدنا إلى موضع عال وقعدنا فلمّا نظر الكلب إلى الميتة فرجع إلى البلد ثمّ عاد بعد ساعة ومعه مقدار عشرين كلبا فجاء إلى تلك الميتة وقعد ناحية ووقعت الكلاب على الميتة فما زالت تأكلها وذلك الكلب قاعد ينظر إليها حتّى أكلت الميتة وبقيت العظام ورجعت الكلاب إلى البلد فقام ذلك الكلب وجاء إلى تلك العظام فأكل ما بقي على العظم قليلا ثمّ انصرف . وقد ذكرنا جملة من أخبار الإيثار وأحوال الأولياء في كتاب الفقر والزّهد فلا نعيده [ 1 ] . * ( بيان حد السخاء والبخل وحقيقتهما ) * لعلَّك تقول : قد عرف بشواهد الشرع أنّ البخل من المهلكات ولكن ما حدّ البخل ؟ وبما ذا يصير الإنسان بخيلا ؟ وما من إنسان إلا وهو يرى نفسه سخيّا وربما يراه غيره بخيلا ، وقد يصدر فعل من إنسان فيختلف الناس فيه فيقول قوم : هذا بخل ويقول آخرون : ليس هذا من البخل ، وما من إنسان إلا ويجد في نفسه حبّا للمال ولأجله يحفظ المال ويمسكه فإن كان يصير بإمساكه المال بخيلا فإذن لا ينفكّ أحد عن البخل ، وإذا كان الإمساك مطلقا لا يوجب البخل فلا معنى للبخل إلا الإمساك فما معنى البخل الَّذي يوجب الهلاك ، وما حدّ السخاء الَّذي يستحقّ العبد به صفة السخاوة وثوابها . فنقول : قد قال قائلون : حدّ البخل منع الواجب وكلّ من أدّى ما يجب عليه فليس ببخيل وهذا غير كاف فإنّ من يردّ اللَّحم مثلا إلى القصّاب والخبز إلى الخبّاز بنقصان حبّة أو نصف حبّة فإنّه يعدّ بخيلا بالاتّفاق وكذلك من يسلَّم إلى عياله القدر الَّذي يفرضه القاضي ثمّ يضايقهم في لقمة زادوا عليها أو تمرة أكلوا من ماله عدّ بخيلا . ومن كان بين يديه رغيف فحضر من يظنّ أنّه يأكل معه وأخفاه عدّ
هامش
[ 1 ] كذا والصحيح أن يقال « فلا نتعرض لذكرها » لان كتاب الفقر والزهد يأتي بعد ، ومن هنا يعلم أن المؤلف صنف كتاب الفقر والزهد قبلا ولدي الترتيب جعله كتاب الرابع من ربع المنجيات .