تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ، ثمّ يقذف بها في جهنّم فتنادي أي ربّ أين أتباعي وأشياعي ، فيقول اللَّه عزّ وجلّ : الحقوا بها أتباعها وأشياعها . وقال الفضيل بن عياض : بلغني أنّ رجلا عرج بروحه إلى السّماء ، فإذا امرأة على قارعة الطريق ، عليها من كلّ زينة الحليّ والثياب وإذا لا يمرّ بها أحد إلا جرحته ، فإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس وإذا أقبلت كانت أقبح شيء رآه الناس ، عجوز شمطاء زرقاء عمشاء ( 1 ) ، قال : قلت : أعوذ باللَّه منك ، قالت : لا واللَّه لا يعيذك اللَّه منّي حتّى تبغّض الدّرهم ، قال : قلت : من أنت ؟ قالت : أنا الدّنيا . مثال آخر للدّنيا وعبور الإنسان بها : أعلم أنّ الأحوال ثلاثة حالة لم تكن فيها شيئا وهي ما قبل وجودك إلى الأزل ، وحالة لا تكون فيها مشاهدا للدّنيا وهي ما بعد موتك إلى الأبد ، وحالة متوسطة بين الأبد والأزل وهي أيّام حياتك في الدّنيا فأنظر إلى مقدار طولها وأنسبه إلى طرفي الأزل والأبد حتّى تعلم أنّه أقلّ من منزل قصير في سفر طويل ، ولذلك قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « مالي وللدّنيا إنّما مثلي ومثل الدّنيا كمثل راكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فقال تحت ظلَّها ساعة ( 2 ) ثمّ راح وتركها » ( 3 ) ومن رأى الدّنيا بهذه العين لم يركن إلى الدّنيا ولم يبال كيف انقضت أيّامه في ضرّ وضيق أو في سعة ورفاهية ، بل لا يبني لبنة على لبنة ، توفّي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة [ 1 ] .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 11
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١
هامش
( 1 ) الشمطاء مؤنّث أشمط ، وشمط - بالتحريك - : خالط بياض شعر رأسه سواده . . والزرقاء مؤنث أزرق أي التي ظهرت بياض عينها . والعمشاء التي ضعف بصرها مع سيلان دمعتها .
( 2 ) « قال » من القيلولة أي استراح وقد مر .
( 3 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4109 والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود ورواه أحمد وصحّحه الحاكم من حديث ابن عباس راجع مجمع الزوائد ج 10 ص 326 .
[ 1 ] أخرجه ابن حبان في الثقات وللطبراني في الأوسط من حديث عائشة بسند ضعيف هكذا « من سأل عنى أو سره أن ينظر إلى فلينظر إلى أشعث شاحب مشمّر لم يضع لبنة على لبنة - الحديث » . الترغيب ج 4 ص 187 .