تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨

نسيب له - كان يألفه - عنه وقال له قائل : صف لي مائدته فقال : هي فترفي فتر وصحافه منقورة من حبّ الخشخاش ، قال : فمن يحضرها ؟ قال : الكرام الكاتبون ، قال : أفيأكل معه أحد ؟ قال : بل الذّباب ، فقال : سوءة لك أنت خاصّ به وثوبك مخرق ؟ فقال : إنّي واللَّه ما أقدر على إبرة أخيط بها ، فقال : ألا استعرت منه ؟ قال : ولو ملك محمّد بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا إبرا ثمّ جاء جبرئيل وميكائيل ومعهما يعقوب عليه السّلام يضمنون عنه إبرة ويسألونه أعرنا إيّاها لنخيط به قميص يوسف الَّذي قدّ من دبر ما فعل . ويقال : كان مروان بن أبي حفصة بخيلا لا يأكل اللَّحم بخلا حتّى يقرم ( 1 ) إليه فإذا قرم أرسل غلامه فاشترى له رأسا فأكله فقيل له : نراك لا تأكل إلا الرؤس في الصيف والشتاء فلم تختار ذلك ؟ قال : نعم الرأس أعرف سعره فآمن خيانة الغلام ولا يستطيع أن يغبنني فيه وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه إن مسّ عينا أو إذنا أو خدّا وقفت على ذلك ، وآكل منه ألوانا آكل عينه لونا وإذنه لونا وغلصمته لونا ودماغه لونا ولسانه لونا وأكفي مئونة طبخه فقد اجتمعت لي فيه مرافق . وخرج يوما يريد الخليفة المهديّ فقالت له امرأة من أهله : ما لي عليك إن رجعت بالجائزة ؟ قال : إن أعطيت مائة ألف أعطيتك درهما فأعطي ستّين ألفا فأعطاها أربعة دوانق ( 2 ) . واشترى مرّة لحما بدرهم فدعاه صديق له فردّ اللَّحم إلى القصّاب بنقصان دانق وقال : أكره الإسراف . وكان للأعمش جار كان لا يزال يعرض عليه المنزل فيقول : لو دخلت فأكلت كسرة وملحا فيأبى عليه الأعمش فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش فقال : سر بنا فدخل منزله فقرّب إليه كسرة وملحا فجاء سائل فقال له ربّ المنزل : بورك فبك فأعاد عليه المسئلة فقال : له : بورك فيك فلمّا سأل الثالثة قال له : اذهب وإلا واللَّه خرجت إليك بالعصا قال : فناداه الأعمش فقال : اذهب ويحك فلا واللَّه ما رأيت أحدا أصدق مواعيد منه هو منذ مدّة يعدني على كثرة وملح فلا واللَّه ما زادني عليهما .

هامش
( 1 ) أي يشهيه ، والقرم - بالتحريك - : شدة شهوة اللحم وقد تقدم .
( 2 ) الدانق - بفتح النون - سدس الدرهم جمعه دوانق .