تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣

وأعظمهم ندامة العالم المفرط . وقد قيل : أرفه ببال فتى أمسى على ثقة * إنّ الَّذي قسم الأرزاق يرزقه فالعرض منه مصون لا يدنّسه * والوجه منه جديد ليس يخلقه إنّ القناعة من يحلل بساحتها * لم يلق في دهره شيئا يؤرّقه وعاتب أعرابيّ أخاه على الحرص فقال : يا أخي أنت طالب ومطلوب يطلبك ما لا تفوته وتطلب أنت ما قد كفيته ، وكلّ ما قد غاب عنك قد كشف لك وما أنت فيه قد نقلت عنه كأنّك يا أخي لم تر حريصا محروما وزاهدا مرزوقا . وقيل : أراك يزيدك الإثراء حرصا * على الدّنيا كأنّك لا تموت فهل لك غاية إن صرت يوما * إليها قلت حسبي قد رضيت ؟ وقال الشعبيّ : حكي أنّ رجلا صاد قنبرة قالت : ما تريد أن تصنع بي ؟ قال : أذبحك وأكلك ، قالت : واللَّه ما أشفي من قرم ( 1 ) ولا أشبع من جوع ولكن أعلَّمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي أمّا واحدة فاعلَّمك وأنا في يدك ، وأمّا الثانية فإذا صرت على الشجرة ، وأمّا الثالثة فإذا صرت على الجبل ، قال : هات الأولى قالت : لا تلهفنّ على ما فات ، فخلاها فلمّا طارت على الشجرة قال : هات الثانية قالت : لا تصدّقنّ بما لا يكون أنّه يكون ، ثمّ طارت فصارت على الجبل وقالت : يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درّتين في كلّ واحدة عشرون مثقالا ، قال : فعضّ على شفتيه وتلهّف وقال : هات الثالثة ، فقالت : أنت قد نسيت الثنتين فكيف أخبرك بالثالثة ألم أقل لك لا تلهفنّ على ما فاتك ولا تصدّقنّ ما لا يكون ألا إنّ لحمي ودمي وريشي لا يكون عشرين مثقالا فكيف يكون في حوصلتي درّتان في كلّ واحدة عشرون مثقالا ؟ ثمّ طارت فذهبت ، وهذا مثال لفرط طمع الآدميّ فإنّه يعميه عن درك الحقّ حتّى يقدّر مالا يكون أنّه يكون . وقال عبد اللَّه بن سلام لكعب : ما يذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ وعوه وعقلوه ؟ قال : الطمع وشره النفس وطلب الحوائج ، فقال رجل للفضيل : فسّر لي قول كعب ، قال : يطمع الرّجل في الشيء فيطلبه فيذهب عليه دينه ، وشره النفس

هامش
( 1 ) القرم - بالتحريك - : شدة شهوة اللحم .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 53 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري