تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
فيقتحم الشبهات ويخوض في المراياة والمداهنة والكذب والنفاق وساير الأخلاق الرّديّة لينتظم له أمر دنياه ويتيسّر له تنعّمه ، فإنّ من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس ومن احتاج إلى الناس فلابدّ وأن ينافقهم ويعصي اللَّه في طلب رضاهم فإن سلم الإنسان من الآفة الأولى وهي مباشرة الحظوظ فلا يسلم عن هذه أصلا ، ومن الحاجة إلى الخلق تثور العداوة والصّداقة وينشأ عنه الحسد والحقد والرّياء والكبر والكذب والغيبة والنميمة وسائر المعاصي الَّتي تخصّ القلب واللَّسان ولا يخلو عن التعدّي أيضا إلى سائر الجوارح ، وكلّ ذلك يلزم من شؤم المال والحاجة إلى حفظه وإصلاحه . الثالثة وهي الَّتي لا ينفكّ عنها أحد وهو أنّه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر اللَّه تعالى وكلّ ما شغل العبد عن اللَّه فهو خسران ، ولذلك قال عيسى عليه السّلام : في المال ثلاث آفات أن يأخذه من غير حلَّه فقيل : إن أخذه من حلَّه ، قال : يضعه في غير حقّه ، فقيل : إن وضعه في حقّه ، فقال : يشغله إصلاحه عن اللَّه ، وهذا هو الدّاء العضال ، فإنّ أصل العبادات ومخّها وسرّها ذكر اللَّه تعالى والتفكَّر في جلاله وذلك يستدعي قلبا فارغا وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكَّرا في خصومة الفلاح ومحاسبته ، وخصومة الشركاء ومنازعتهم في الماء والحدود ، وخصومة أعوان السّلطان في الخراج ، وخصومة الاجراء في التقصير في العمارة ، وخصومة الفلاحين في خيانتهم وسرقتهم ، وصاحب التجارة يكون متفكَّرا في خيانة شريكه وانفراده بالرّبح وتقصيره في العمل وتضييعه للمال ، وكذلك صاحب المواشي ، وهكذا سائر أصناف الأموال ، وأبعدها عن كثرة الشغل النقد المكنوز تحت الأرض ولا يزال بالفكر متردّدا فيما يصرف إليه وفي كيفيّة حفظه ، وفي الخوف ممّن يعثر عليه ، وفي دفع أطماع الناس عنه ، وأودية أفكار أهل الدّنيا لا نهاية لها والَّذي معه قوت يومه في سلامة عن جميع ذلك فهذه جملة الآفات الدّينيّة سوى ما يقاسيه أرباب الأموال في الدّنيا من الخوف والحزن والغمّ والهمّ والتعب في دفع الحسّاد وتجشّم المصاعب في حفظ الأموال وكسبها فإذن ترياق المال أخذ القوت وصرف الباقي إلى الخيرات وما عداه سموم وآفات .