تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
وفي كتاب شرح عجائب القلب وكتاب التفكَّر وكتاب الشكر إذ فيها إشارات إلى وصف النفس ووصف جلال الله تعالى فيحصل به التنبّه على الجملة وكمال المعرفة وراءه فإنّ هذا من علوم المكاشفة ولم نطنب في هذا الكتاب إلا في علوم المعاملة ، وأمّا معرفة الدّنيا والآخرة فيستعين عليه بما ذكرناه في كتاب ذمّ الدّنيا وفي كتاب ذكر الموت ليتبيّن له أن لا نسبة للدّنيا إلى الآخرة . فإذا عرف نفسه وربّه وعرف الدّنيا والآخرة ثار من قلبه بمعرفة الله تعالى حبّ الله وبمعرفة الآخرة شدّة الرّغبة فيها وبمعرفة الدّنيا الرّغبة عنها فيصير أهمّ أموره ما يوصله إلى الله تعالى وينفعه في الآخرة ، وإذا غلبت هذه الإرادة على قلبه صحّت نيّته في الأمور كلَّها ، فإن أكل مثلا أو اشتغل بقضاء الحاجة كان قصده منه الاستعانة على سلوك طريق الآخرة وصحّت نيّته واندفع عنه كلّ غرور محذور منشؤه تجاذب الأغراض والنزوع إلى الدّنيا والجاه والمال ، فإنّ ذلك هو المفسد للنيّة وما دامت الدّنيا أحبّ إليه من الآخرة ، وهوى نفسه أحبّ إليه من رضا الله فلا يمكنه الخلاص من الغرور ، فإذا غلب حبّ الله على قلبه بمعرفته بالله وبنفسه الصادرة عن كمال عقله ، فيحتاج إلى المعنى الثالث وهو العلم أعني العلم بكيفيّة سلوك الطريق إلى الله والعلم بما يقرّ به من الله تعالى وما يبعّده عنه . والعلم بآفات الطريق وعقباته وغوائله وجميع ذلك قد أودعناه كتب إحياء علوم الدّين فيعرف من ربع العبادات شروطها فيراعيها وآفاتها فيتّقيها ، ومن ربع العادات أسرار المعائش وما هو مضطرّ إليه فيأخذه بإذن الشرع وما هو مستغن عنه فيعرض عنه ، ومن ربع المهلكات يعلم جميع العقبات المانعة في طريق الله ، فإنّ المانع من الله الصفات المذمومة في الخلق فيعلم المذموم ويعلم طريق علاجه ، ويعرف من ربع المنجيات الصفات المحمودة الَّتي لا بدّ وأن توضع خلفا عن المذمومة بعد محوها فإذا أحاط بجميع ذلك أمكنه الحذر عن الأنواع الَّتي أشرنا إليها من الغرور ، وأصل ذلك كلَّه أن يغلب حبّ الله على القلب ويسقط حبّ الدّنيا منه حتّى تقوى به الإرادة وتصحّ فيه النيّة ولا يحصل ذلك إلا بالمعرفة الَّتي ذكرناها .