تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
فإذا قصر عن الأداء إلى ذلك الغير فلا قيمة له ، وربّما يغترّ أحدهم بما يسمعه من الواعظ من فضل حضور المجلس وفضل البكاء ، وربّما دخلته رقّة كرقّة النساء فيبكي ، وربّما يسمع كلاما مخوفا فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول : يا سلام سلَّم أو نعوذ بالله أو سبحان الله ويظنّ أنّه قد أتى بالخير كلَّه وهو مغرور ، وإنّما مثاله مثال المريض الَّذي يحضر مجالس الأطبّاء فيسمع ما يجري أو الجائع الَّذي يحضر عند من يصف له الأطعمة اللَّذيذة الشهيّة ثمّ ينصرف وذلك لا يغني عنه من مرضه وجوعه شيئا ، فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها لا يغني من الله شيئا . وكلّ وعظ لم يغيّر منك صفة تغييرا يغيّر أفعالك حتّى تقبل على الله تعالى إقبالا قويّا أو ضعيفا وتعرض عن الدّنيا فذلك الوعظ زيادة حجّة عليك فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا . * ( فصل ) * فإن قلت : فما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يتخلَّص عنه أحد ولا يمكن الاحتراز عنه ، وهذا يوجب اليأس إذ لا يقوي أحد من البشر على الحذر من خفايا هذه الآفات ؟ . فأقول : الإنسان إذا فترت همّته في شيء أظهر اليأس منه واستعظم الأمر فيه واستوعر الطريق وإذا صحّ منه الهوى اهتدى إلى الحيل واستنبط بدقيق النظر خفايا الطرق في الوصول إلى الغرض حتّى أنّ الإنسان إذا أراد أن يستنزل الطير المحلَّق في جوّ السّماء مع بعده عنه فأنزله ، وأراد أن يستصعد الحوت من أعماق البحار فأصعده وأراد أن يستخرج الذّهب والفضّة من تحت الجبال فأخرجه ، وأراد أن يقتنص الوحوش المطلقة في البراري والصحاري فاقتنصها ، وأراد أن يستسخر السباع والفيلة وعظيم الحيوانات فاستسخرها ، وأراد أن يأخذ الأفاعي والحيّات ويعبث بها فأخذها واستخرج الترياق ، وأراد أن يتّخذ الدّيباج الملوّن المنقوش من ورق التوت فاتّخذه ، وأراد أن يعرف مقادير الكواكب وطولها وعرضها فاستخرج بدقيق