قد وقعوا في بئر وتغطَّى رأس البئر بحجر كبير فعجزوا عن الرّقي من البئر بسببه فرقّ قلبه لإخوانه فجاء يرفع الحجر من رأس البئر وشقّ عليه فجاءه من أعانه على ذلك حتّى تيسّر عليه أو كفاه ذلك ونحّاه بنفسه فيعظم بذلك فرحه لا محالة إذ غرضه خلاص إخوانه من البئر فإن كان غرض الناصح خلاص إخوانه المسلمين من النّار فإذا ظهر من أعانه أو كفاه فرح بذلك ولم يثقل عليه أرأيت لو اهتدوا جميعهم بأنفسهم لما كان ينبغي أن يثقل عليه ذلك إن كان غرضه هدايتهم فإذا اهتدوا بغيره فلم يثقل عليه ، ومهما وجد ذلك في نفسه دعاه الشيطان إلى جميع كبائر القلوب وفواحش الجوارح وأهلكه ، فنعوذ بالله من زيغ القلوب بعد الهدى ومن اعوجاج النفس بعد الاستواء . فإن قلت : فمتى يصحّ له أن يشتغل بنصح الناس ؟ فأقول : إذا لم يكن له قصد سوى هدايتهم لله تعالى وكان يودّ لو وجد من يعينه أو لو اهتدوا بأنفسهم وانقطع بالكلَّية طمعه عن ثنائهم وعن أموالهم ، فاستوى عنده حمدهم وذمّهم ، فلم يبال بذمّهم إذا كان الله يحمده ولم يفرح بحمدهم إذا لم يقترن به حمد الله تعالى ، ونظر إليهم كما ينظر إلى السادات وإلى البهائم ، أمّا إلى السادات فمن حيث إنّه لا يتكبّر عليهم ويرى كلَّهم خيرا من نفسه لجهله بالخاتمة ، وأمّا إلى البهائم فمن حيث انقطاع طمعه عن طلب المنزلة في قلوبهم ، فإنّه لا يبالي كيف تراه البهائم ، فلا يتزيّن لها ولا يتصنّع ، بل راعي الماشية إنّما غرضه رعاية الماشية ودفع الذئب عنها دون نظر الماشية إليه بعين الحمد والثناء ، فما لم ير سائر الناس كالماشية الَّتي لا يلتفت إلى نظرها ولا يبالي بها لا يسلم من الاشتغال بإصلاحهم نعم ربّما يصلحهم ولكن يفسد نفسه بإصلاحهم فيكون كالشمع الَّذي يضيء لغيره ويحترق في نفسه . فإن قلت : فلو ترك الوعّاظ الوعظ إلا عند نيل هذه الدّرجة لخلت الدّنيا من الوعظ وخربت القلوب . فأقول : وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم « حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة » ( 1 ) ولو
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 354
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٥٤
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في الشعب عن الحسن مرسلا كما في الجامع الصغير .