الهندسة وهو مستقرّ على الأرض وكلّ ذلك باستنباط الحيل وإعداد الآلات فسخّر الفرس للركوب والكلب للصيد وسخّر البازي لاقتناص الطيور ، وهيّأ السبكة لاصطياد السمك إلى غير ذلك من دقائق حيل الآدميّ ، كلّ ذلك لأنّه أهمّه أمر دنياه وذلك معين له على دنياه . فلو أهمّه أمر آخرته فليس عليه إلا شغل واحد وهو تقويم قلبه فعجز عن تقويم قلبه وتخاذل وقال : هذا محال ومن ذا الَّذي يقدر عليه ، وليس ذلك بمحال ولو أصبح وهمّه هذا الهمّ الواحد احتال له ، بل هو كما يقال : « لو صحّ منك الهوى أرشدت للحيل » فهذا شيء لم يعجز عنه السلف الصالحون ومن اتّبعهم بإحسان فلا يعجز عنه أيضا من صدقت إرادته وقويت همّته بل لا يحتاج إلى عشر تعب الخلق في استنباط حيل الدّنيا ونظم أسبابها . فإن قلت : قد قربت الأمر فيه بعد أن أكثرت في ذكر مداخل الغرور فبم ينجو العبد من الغرور ؟ . فاعلم أنّه ينجو عنه بثلاثة أمور : بالعقل والعلم والمعرفة فهذه ثلاثة أمور لا بدّ منها أمّا العقل فأعني به الفطرة الغريزيّة والنور الأصلي الَّذي به يدرك الإنسان حقائق الأشياء فالفطنة والكيس فطرة والحمق والبلادة فطرة والبليد لا يقدر على التحفّظ عن الغرور فصفاء العقل وذكاء الفهم لا بدّ منه في أصل الفطرة ، وهذا إذا لم يفطر عليه الإنسان فاكتسابه غير ممكن نعم إذا حصل أصله أمكن تقويته بالممارسة فأساس السعادات كلَّها العقل والكياسة . قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « تبارك الله الَّذي قسّم العقل بين عباده أشتاتا إنّ الرّجلين ليستوي عملهما وبرّهما وصومهما وصلاتهما ولكنّهما يتفاوتان في العقل كالذّرة في جنب أحد وما قسّم الله لخلقه حظا هو أفضل من العقل واليقين » ( 1 ) . وعن أبي الدرداء أنّه قيل : يا رسول الله أرأيت الرّجل يصوم النهار ويقوم اللَّيل ويحجّ ويعتمر ويتصدّق ويغزو في سبيل الله ويعود المرضى ويشيّع الجنائز
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 349
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٩
هامش
( 1 ) قال العراقي : أخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من رواية طاوس مرسلا وفي أوله قصة واسناده ضعيف ورواه بنحوه من حديث أبي حميد وهو ضعيف أيضا .