فافعل فإنّ إدخالك السرور على قلب المسلم وإغاثة اللَّهفان وكشف الضرّ وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجّة بعد حجّة الإسلام ، قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك فقال : يا أبا نصر سفري أقوى في قلبي فتبسّم بشر وأقبل عليه فقال له : المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس أن تقضي به وطرا فأظهرت الأعمال الصالحات وقد آلى الله تعالى على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتّقين .
وفرقة أخرى من أرباب الأموال يحفظون الأموال ويمسكونها بحكم البخل ثمّ يشتغلون بالعبادات البدنية الَّتي لا يحتاج فيها إلى نفقة كصيام النهار وقيام اللَّيل والختم للقرآن وهم مغرورون لأنّ البخل المهلك قد استولى على باطنهم ، فهم محتاجون إلى قمعه بإخراج المال ، فقد اشتغلوا بطلب فضائل هم مستغنون عنها ، ومثاله مثال من دخل في ثوبه حيّة وقد أشرف على الهلاك وهو مشغول بطبخ السكنجبين ليسكن به الصفراء ، ومن قتلته الحيّة فمتى يحتاج إلى السكنجبين ؟ .
وفرقة أخرى غلبهم البخل فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقطَّ ثمّ إنّهم يخرجون من المال الخبيث الرّدي الَّذي يرغبون عنه ويطلبون من الفقراء من يخدمهم ويتردّد في حاجاتهم أو من يحتاجون إليه في المستقبل للاستسخار في خدمة أو من لهم فيه على الجملة غرض أو يسلَّمون ذلك إلى من يعينه واحد من الأكابر ممّن يستظهر بحشمته لينال بذلك عنده منزلة فيقوم بحاجاته ، وكلّ ذلك مفسدات للنيّة ومحبطات للعمل وصاحبه مغرور ويظنّ أنّه يطيع الله تعالى وهو فاجر إذ طلب بعباده الله عوضا من غيره وهذا وأمثاله من غرور أرباب الأموال أيضا لا تحصى وإنّما ذكرنا هذا القدر للتنبيه على أجناس الغرور .
وفرقة أخرى من عوام الخلق وأرباب الأموال أو الفقراء اغترّوا بحضور مجالس الذكر واعتقدوا أنّ ذلك يغنيهم ويكفيهم واتّخذوا ذلك عادة ويظنّون أنّ لهم على مجرّد سماع الوعظ دون العمل ودون الاتّعاظ أجر وهم مغرورون لأنّ فضل مجلس الذّكر لكونه مرّغبا في الخير فإن لم يهيّج الرغبة فلا خير فيه والرّغبة محمودة لحملها على العمل فإن ضعفت عن الحمل على العمل فلا خير فيها وما يراد لغيره
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 347
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٧