يلتبس ما في الزّجاج بالزّجاج كما قيل :
رقّ الزّجاج ورقّت الخمر * فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنّما خمر ولا قدح * وكأنّما قدح ولا خمر
وبهذه العين نظر النصارى إلى المسيح فرأوا إشراق نور الله قد تلألأ فيه فغلطوا فيه كمن يرى كوكبا في المرآة أو في الماء فيمدّ اليد إليه ليأخذه وهو مغرور .
وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله لا تحصى في مجلَّدات ولا تستقصى إلا بعد شرح جميع علوم المكاشفة وذلك ممّا لا رخصة في ذكره ولعلّ القدر الَّذي ذكرناه أيضا كان الأولى تركه إذ السالك لهذا الطريق لا يحتاج إلى أن يسمعه من غيره ، والَّذي لم يسلكه لا ينتفع بسماعه بل ربّما يستضرّ به إذ يورث ذلك دهشة من حيث يسمع مالا يفهم ولكن في ذكره فائدة وهو إخراجه من الغرور الَّذي هو فيه إذ ربّما يصدّق بأنّ الأمر أعظم ممّا يظنّه وممّا يتخيّله بذهنه المختصر وخياله القاصر وجد له المزخرف ويصدّق أيضا بما يحكى له من المكاشفات الَّتي أخبر عنها أولياء الله تعالى ، ومن عظم غروره ربّما أصرّ مكذّبا بما يسمعه الآن كما يكذّب بما سمعه من قبل والله أعلم .
الصنف الرابع أرباب الأموال والمغترّون منهم فرق كثيرة .
ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وما يظهر للناس كافّة ويكتبون أساميهم بالآجر عليها ليتخلَّد ذكرهم ويبقى بعد الموت أثرهم وهم يظنّون أنّهم قد استحقّوا المغفرة بذلك وقد اغترّوا فيه من وجهين أحدهما أنّهم يبنونها من أموال اكتسبوها من الظلم والنهب والرّشى والجهات المحظورة فهم قد تعرّضوا لسخط الله في كسبها وتعرّضوا لسخطه في إنفاقها وكان الواجب عليهم الامتناع عن كسبها فإذا عصوا الله تعالى بكسبها كان الواجب عليهم التوبة والرّجوع إلى الله تعالى وردّها إلى ملاكها إمّا بأعيانها أو ردّ بدلها عند العجز ، فإن عجزوا عن الملاك فكان الواجب ردّها إلى الورثة ، فإن لم يبق للمظلوم وارث فالواجب صرفها إلى أهمّ المصالح ، وربّما يكون الأهمّ التفرقة على المساكين وهم لا يفعلون ذلك خيفة من أن لا يظهر ذلك للناس فيبنون الأبنية بالآجر وغرضهم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 344
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٤