تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
على السّجادات مع إطراق الرّأس وإدخاله في الجيب كالمتفكَّر وفي تنفّس الصعداء وفي خفض الصّوت في الحديث إلى غير ذلك من الشمائل والهيئات . أقول : وأيّ فضل وكرامة للصادقين من الصّوفيّة حتّى يكون للمتشبّهين بهم فضل وغرور ؟ فإنّ أكثرهم من أهل البدع من السّماع والرّقص والجهر من القول في الدّعاء وغير ذلك . قال : فلمّا تكلَّفوا هذه الأمور وتشبّهوا بهم فيها ظنّوا أنّهم أيضا صوفيّة ولم يتعبوا أنفسهم قطَّ في المجاهدة والرّياضة ومراقبة القلب وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الخفيّة والجليّة وكلّ ذلك من أوائل منازل التصوّف ولو فرغوا عن جميعها لما جاز لهم أن يعدّوا أنفسهم من الصوفيّة كيف ولم يحوموا قطَّ حولها ولم يسوموا أنفسهم شيئا منها ، بل يتكالبون على الحرام والشبهات وأموال السلاطين ، ويتنافسون في الرّغيف والفلس والحبّة ، ويتحاسدون على النقير والقطمير ، ويمزّق بعضهم أعراض بعض مهما خالفه في شيء من غرضه وهؤلاء غرورهم ظاهر . ومثالهم مثال امرأة عجوز سمعت أنّ الشجعان والأبطال من المقاتلين يثبت أسماؤهم في الدّيوان ويقطع كلّ واحد منهم قطرا من أقطار المملكة فتاقت نفسها إلى أن يقطع لها مملكة فلبست درعا ووضعت على رأسها مغفرا ، وتعلَّمت من رجز الأبطال أبياتا وتعوّدت إيراد تلك الأبيات بنغماتهم حتّى تيسّرت عليها وتعلَّمت كيفيّة تبخترهم في الميدان وكيف تحريكهم الأيدي وتلقّفت جميع شمائلهم في الزّيّ والمنطق والحركات والسّكنات ثمّ توجّهت إلى المعسكر ليثبت اسمها في ديوان الشجعان فلمّا وصلت إلى المعسكر أنفذت إلى ديوان العرض وأمرت بأن تجرّد عن المغفر والدّرع وينظر إلى ما تحته وتمتحن بالمبارزة مع بعض الشجعان ليعرف قدر عنائها في الشجاعة ، فلمّا جرّدت عن المغفر والدّرع فإذا هي عجوزة ضعيفة زمنة لا تطيق حمل الدّرع والمغفر فقيل لها : أجئت للاستهزاء بالملك واستحماق أهل حضرته بالتلبيس عليه ؟ خذوها فألقوها إلى قدّام الفيل لسخفها ، فألقيت إلى الفيل ، وهكذا يكون حال المدّعين للتصوّف في القيامة إذا